202

وفي هذا الجيش كما قدمنا في الفصل (8)، أصحاب الفتن ، وأصحاب الطمع بالغنائم ، والخوارج ، وغيرهم ، ولم يكن لهؤلاء مرتع أخصب من هذه الفتن التي زرعتها هذه البوادر المؤسفة الثلاث.

وجمع الحسن الناس فخطبهم وناشدهم سلامة النية وحسن الصبر ، وذكرهم بالمحمود من أيامهم في صفين ، ثم نعى عليهم اختلافهم في يومه منهم. وكان أروع ما أفاده الحسن من خطابه هذا ، أنه انتزع من الناس اعترافهم على انفسهم بالنكول عن الحرب صريحا ، واستدرجهم الى هذا الاعتراف بما تظاهر به من استشارتهم فيما عرضه عليه معاوية ، فقال في آخر خطابه : « الا وان معاوية دعانا لامر ليس فيه عز ولا نصفة ، فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه الى الله عز وجل بظبا السيوف ، وان أردتم الحياة قبلناه منه وأخذنا لكم الرضا؟ ». فناداه الناس من كل جانب : « البقية البقية وأمض الصلح (1)».

أقول : وليس في تاريخ قضية الحسن عليه السلام روايتان كثر رواتهما حتى لقد أصبحت من مسلمات هذا التاريخ ، كرواية جواب الناس على هذه الخطبة بطلب البقية وامضاء الصلح ، ورواية ثورة الناس في المدائن انكارا للصلح والحاحا على الحرب!!. وليت شعري. فأي الرأيين كان هدف هؤلاء الناس؟.

وهل هذه الا بوادر الانقسام الذي أشرنا اليه آنفا ، بل « الفوضى » التي لن يستقيم معها ميدان حرب ، والتي لا تمنع ان يكون المنادون بالصلح من كل جانب هم المنادين بالحرب انفسهم.

وما للفوضى ودعوة جهاد وصحبة امام؟!

وعلى أي ، فقد كان هذا أحد الوان معسكر المدائن وأحد ظواهر التلون في عساكره وتحكم العناصر المختلفة في مقدراته.

Page 223