170

وعلى ضوء هذا التقريب ، نفهم معنى قول الامام الحسن : « ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس (1) مني وأشد شكيمة (2). ولكان رأيي غير ما رأيتم ».

أجل ، وهذا هو المظنون ، لو أراد الحسن الدنيا.

ولكن الشيء المعلوم ، هو أن الامام الحسن بن علي عليه وعلى أبيه السلام كان بشرا آخر غير هذا.

انه كان من ذلك النوع الذي لا يطل على هذا العالم ، الا في فترات معدودة من الزمان ، فتستروح البشرية من شمائله مثلها ، وتترسم بهداه النقي الفاضل سعادتها.

انه كان يفهم من الشرف معنى خاصا ، مزيجا من عزة النفس ومصالح الدين ، فلا الملك ولا المال ، ولا المتع الملذوذة في الدنيا ، مما يدخل في حساب الشرف عنده.

وكانت عصمته عن الرجس كما يصفها الكتاب ، وروحيته المثالية التي تملأ ذلك الاهاب ، تمنعانه النزول عن شموخ هذا الشرف ، الى الحضيض من رغبات الملك الزائل ، واللبانات المنغصات ، مع ما يستلزم ذلك من الصدوف عن الله وعن كتبه ورسله واليوم الاخر ، ولن يكون الرجل الدنيوي الا متغاضيا عن اولئك جميعا أو مغاضبا لهم.

وكان معنى ربح الموقف ، عن طريق هذه الاساليب الملتوية ، الخسارة الكبرى ، في حياة هذا النوع من ذروات المثالية وأعالي الناس.

Page 191