Khuṭab wa-durūs al-Shaykh ʿAbd al-Raḥīm al-Ṭaḥḥān
خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان
وفي سورة النحل يقول ربنا – ﷻ –: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ النحل١٠٣ أي لغة الذي يميلون إليه، ويدعون أنه يعلمه أعجمي، فكيف يعقل صدور هذا الكلام العربي المعجز منه، روى الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أنه قال في قوله – ﷿ –: " إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ " قالوا: إنما يعلم محمدًا عبد بن الحضرمي وهو صاحب الكتب، فقال الله – جل وعلا –: " لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ (١)
(١) انظر المستدرك: (٢/٣٥٧) كتاب التفسير، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وأقره الذهبي، ورواه البيهقي في شعب الإيمان كما في الدر المنثور: (٤/١٣١) والأثر رواه ابن جرير في تفسيره: (١٤/١٢٠) عن مجاهد مرسلا ً، وعنه رواه أيضًا آدم بن أبي إياس، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان كما في الدر: (٤/١٣١)، وورد في تفسير ابن جرير: (١٤/١١٩) تسمية العبد بخبر، وأنه غلام نصراني رومي عن ابن إسحاق أنه بلغه وعن ابن جريح عن عبد الله بن كثير، وورد فيه أيضًا تسميته بيعيش عن قتادة، وعكرمة، ولعل اسمه جبر، ولقبه يعيش وعلى ذلك تتنزل رواية ابن أبي حاتم أيضًا وهي في الدر: (٤/١٣١) أنه كان مقيس وفي الإصابة: (١/٢٢٢) مخنس فلعله لقب آخر له، وهو لقب لعبد آخر كان معه وهو يسار ففي تفسير ابن جرير: (١٤/١٢٠) وتفسير ابن أبي حاتم كما في لباب النقول: (١٣٥)، والإصابة: (١/٢٢٢)، وأسماء الصحابة للبغوي كما في الإصابة: (٢/٤٤٧) بسند صحيح عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال: كان لنا عبدان يقال لأحدهما يسار، والآخر يقال له جبر، وكانا صقليين، فكانا يقرآن كتابهما، ويعملان عملهما، وكان رسول الله – ﷺ – يمر بهما فيسمع قراءتهما، فقالوا: إنما يتعلم منهما، فنزلت: " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ " الآية، وورد في رواية الواحدي أنهما كانا نصرانيين من أهل عين التمر، وقد ورد في تفسير ابن أبي حاتم أيضًا كما في الدر: (٤/١٣١) عن السدى تكنية أحدهما بأبي اليسر، والذي يظهر للعبد الضعيف: أن اسم أحدهما جبر، والآخر يسار، وبقية الأوصاف ألقاب وكنىً لهما، وقد اتهم المشركون الأغبياء خاتم الأنبياء – عليه وعليهم الصلاة والسلام منا ومن رب الأرض والسماء – بتلقي القرآن الكريم من كل منهما. " كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا " هذا، وقد اتهم الكفار نبينا المختار – ﷺ – بتلقي كلام العزيز الغفار من غير جبر ويسار ففي تفسير الطبري: (١٤/١١٩)، وتفسير ابن أبي حاتم، وابن مردويه كما في الدر المنثور: (٤/١٣١) بسند ضعيف عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: كان رسول الله – ﷺ – بعلم قينًا – حدادًا – بمكة، وكان أعجمي اللسان، وكان اسمه بلعام، فكان المشركون يرون رسول الله – ﷺ – حين يدخل عليه، وحين يخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله – جل وعلا – " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ " الآية.
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – لا مانع من اعتبار جميع ما مضى سببًا لنزول الآية الكريمة، فلما صدرت عنهم تلك الأقوال الأثيمة، أنزل الله العظيم الآية الكريمة، ومن المقرر في كتب علوم القرآن، أن الأسباب قد تتعدد والنازل واحد كما في الإتقان: (١/١٢١-١٢٣) وفتح الباري: (٨/٤٥٠)، وما ورد في تفسير الطبري: (١٤/١٢٠)، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، كما في الدر: (٤/١٣١) عن الضحاك في قوله – جل وعلا –: "لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ " قال: كانوا يقولون: إنما يعلمه سليمان الفارسي – رضي الله تعالى عنه – فلابد من تأويله بأن المشركين استمروا على اتهام النبي الأمين – ﷺ – بتلقي القرآن من الأعجميين، حتى بعد نزل الآية، فقولهم بعد نزول الآية مما يدخل في تفسيرها، وتتضمنه، وتشتمل عليه وليس ذلك سببًا لنزول الآية، لأن إسلام سلمان – رضي الله تعالى عنه – كان بعد الهجرة والآية مكية، والله أعلم..
1 / 285