366

قال الراوي: واجتمع العسكر المنصور، وخافوا أن يضر بهم الظمأ عند القتال، فأتاهم من الله تعالى سيل أتى ليس بالكبير القدر الذين يشربون منه، ونهضوا فحطوا قريبا من الدربين في ناحية [.....بياض في المخطوط.......] وأمر الجنبيون، وأسد بن أحمد، وابن عمه [.....بياض في المخطوط.......] فأقبلوا في طعنهم، وحطوا بما غطى الفضاء من الإبل فرعوا زراعة كانت هنالك وضربوا البيوت، وعند ذلك أيقن أهل الدرب بالمناجزة فدعوا إلى السلم والخطاب ، فساعد الأميران إلى ذلك، وخرج من شيوخ الدربين من خرج، فلما رأو رغبة الأميرين في تعطيتهم حدثتهم نفوسهم وصور لهم المرجفون أن مساعدة الأميرين إلى الصلح إنما هو عجز عن حربكم فأمروا إليها أنا لا نساعدكم فافعلوا فيمن معكم منا ما بدا لكم وعند ذلك أجمع رأي القوم على الحرب، فلما كان من الغد وهو يوم [.....بياض في المخطوط.......] تشرع الناس للقتال فخرج الأمير حسام الدين محمد بن فليتة من ناحية، وخرج ولده سليمان من ناحية، وخرج الأمير الكبير أبو المظفر سليمان بن يحيى فيمن معه من العسكر ناحية وهي معظم القتال، وكان جل من معه من الرجالة الأجواد الصيد، وسار كل من ناحيته، وقد شرع القوم في دربيهم، وبرز الحمزيون بين الدربين ليكونوا مادة إلى الجهتين وكان يوما شديدا، ثم سار الأمير أبو المظفر قدما قدما وجعل الرجل في الأول ثم الخيل بعدهم ثم هو [126ب-أ] فيمن معه من الأجواد، وقال لأصحابه إياكم والكر والفر وإنما تسيروا مجتمعين حتى لا يرى فيكم العدو خللا فيطمع فيكم فامتثلوا أمره، فحمل الحمزيون فيمن معهم على الناس فلم يتزحزح الناس عنهم فلما رأوا أمرا لم يكن لهم في حساب عنوا بأمرهم وعلموا أنهم يغلبون، وقد كان الشريف الفاضل المجاهد منيع بن محمد الحراني حمل في شارع من شوارع الدرب في نهج الأمير حسام الدين فصرع ، وجاوزه القوم فقتلوه فلما رأى العدو شدة المسلمين في القتال لم يبق فيهم بقية فحمل كل من عسكر الحق في جهته، وصار الحمزيون في أنفسهم لا يدرون أين يتوجهون فرموا بأنفسهم نهج حلة المشائخ الجنبيين فلحقهم من لحق من الجنبيين فحصروهم وأجاروهم على أرواحهم وأخذ أفراسهم وأدراعهم، وصاح أهل الدربين بالذمة فلم ير الأميران إلا الذمة لأجل محبة الجنبيين لذلك ورغبتهم فيما يأخذون فأذموا عليهم على مال حملوه وهو مائة فرس ونيف وأشياء أخر، وأقام الأميران ومن معهما هنالك أياما قرائب حتى استوفوا من القوم ما شروطوه، وسلموا للجنبين أكثره ورأوا تألفهم به أولى، فشكر أمير المؤمنين فعلهم وأثنى عليهم، وبلغت البشارة إلى أمير المؤمنين واستر المسلمون بذلك سرورا عظيما، وأقام أمير المؤمنين في حوث لا يترك الخروج إلى المسجد الجامع ليقضي الحوائج، ومن بعد العصر يحضر العلماء والأفاضل فيباحثون في مشكلات المسائل، وسمع شيئا في الآثار النبوية، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويقيم الحدود، ويقمع الظالم وينصف المظلوم، وكانت أيامه عليه السلام في تلك الناحية عيدا في الأيام، فلما علم بقفول الأميرين الكبيرين من مأرب ومن معهما خرج عليه السلام إلى خيوان في لقاء أخيه، وصلاح أمور الناحية، ولزيارة جده القاسم بن علي عليه السلام في عيان، وليقض مأرب هنالك، ومن جملة الأسباب الداعية أن قوما من حنين أهل العفوة عدوا على القافلة في موضع يسمى نجد الشيخين ما بين خيوان وعيان فأراد الشدة عليهم وعلى أهل الناحية لأجل ذلك فأخذ عدة من أهل البلاد رهائن ورجع أكثر ما أخذه القوم، وقد كان شردوا إلى برط فلما علم أهل برط من دهمة بقضيتهم طردوهم عن بلادهم فأقام أمير المؤمنين في خيوان إلى أن وصل أخوه أبو المظفر إلى خيوان فيمن معه فلقيه أمير المؤمنين فأنصفه، وشكر سعيه، ودعا لمن معه وشكرهم، ونهض إلى عيان فأقام ليالي وعاد قافلا قاصدا حوث وقد كان طلب من السلطان الأجل دهمان بن مبارك بن عران بن فليتة بن العطاف النهمي ابنته فاستر السلطان بذلك ورآه شرفا يصيبه، وقد كانت زوجته هذه وصل بها أهلها إلى حوث فنزلت دار أمير المؤمنين هنالك فلما أزمع أمير المؤمنين على تمام النكاح أمر خاصته الشيخ الكبير المخلص المجاهد مجد الدين أحمد بن محمد المتميز، وقد كان من أكبر خواصه مبالغة [127أ-أ] في خدمته، ومباشرة أموره، وله إحسان ومعرفة فتقدم إلى حوث لشأن أمور النكاح الميمون، وأعد الضيافة للناس على العموم من عسكر أمير المؤمنين ومن كان في مدينة حوث فتقدم الشيخ المذكور ولم يدع وجها حتى أثبته على أحسن ما يكون، وأمر إلى أمير المؤمنين بذلك، ونهض أمير المؤمنين قاصدا حوث، ولقيه الناس عصبا حتى إذا وصل إلى الجامع المنصوري لقيه العلماء والأفاضل من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، وعظموا حاله وساروا بين يديه إلى أن دخل داره وقد مد السماط والألوان اللذيذة فأكل الناس ولم يمنع عن ذلك أحد من خاص وعام وأكرم الضعفاء والمساكين، فلما تم الضيفة حضر والد السطان دهمان بن مبارك لشهود عدول على وكالة والده له أمره أن يعقد النكاح لأمير المؤمنين ففعل ذلك، وعقد أمير المؤمنين النكاح على اسم الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى صداق وهو على مهر مثلها.

أخبرني به الفقيه محيي الدين بن محمد الصريمي وأقام أمير المؤمنين في حوث إلى نصف جمادى الآخرة وهو يوم الأحد سنة أربع وخمسين وستمائة.

قال الراوي: ثم حدث في ذلك اليوم المعين دخان غشي الأرض فاستوحش الناس من ذلك وتغير النيران الشمس والقمر، فكانت الشمس عند طلوعها والقمر عند طلوعه لا يظهر لهما ضوء، وكأنهما قطعتا دم، ثم استمر ذلك ثم وقع من البرق والصواعق في البلاد ما لم يسمع بمثله حتى خلت الديار وهرب الناس من شماريخ الجبال وقللها.

Page 386