193

Silsilat al-īmān waʾl-kufr

سلسلة الإيمان والكفر

عدم نقض التواد والتناصر الدنيوي لأصل الولاية
إن اختصاص ما يتعلق بالولاية بأصل الدين، أولًا: أن التواد والتناصر الدنيوي لا ينقض أصل الولاية، وإن كان يقدح في كمالها، مثلًا: الإنسان قد يكره بعض أهله وعشيرته، وقد تقع بينه وبين بعض المؤمنين عداوة لأسباب دنيوية كتنافس وتحاسد ونحو ذلك، بل ربما يصل الأمر إلى حد الشجار أو القتال، وهذا لا يقدح في أصل الدين ولا يبطل إيمان هذا المؤمن، وإن كان يقدح في كمال إيمانه أن يتقاتل مع أخيه المسلم وأن يتحاسد معه.
يقول الله ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩] فهنا العلاقة علاقة الحب الطبعي للزوجة ليس شرعيًا وقد يقع تخلفه كما هو هنا: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» فهذه الكراهية التي تقع أحيانًا من الزوج لزوجته لا تقدح في عقيدته ولا تمس الدين؛ لأن هذا حب طبعي.
مثلًا: قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، إلى أن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] فوصفهم بالإيمان ولم يقدح تقاتلهم في أصل الدين؛ لأن التقاتل لم يكن بسبب الدين، وإنما على شيء من أمور الدنيا.
أيضًا قد يكره الإنسان طبعًا بعض التكاليف الشرعية، مثلًا: الوضوء بالماء البارد في شدة البرد، فالطبع يستثقل هذا، لكنه يحبه شرعًا؛ لأن الله ﷿ يحبه، فهذا لا يقدح في إيمانه.
أيضًا قد يكره القتال، يقول ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] أي: أنتم تكرهونه طبعًا، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، فهنا كراهة المؤمنين للقتال كراهة طبعية لا شرعية، فهم لا يكرهونه؛ لأنه حكم الله أو أمر الله، لكن لأن النفوس جبلت على كراهته كراهة طبيعية، يقول ﷿ أيضًا في نفس الموضوع: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥] أي: كارهون للخروج لقتال المشركين في غزوة بدر، ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٦]، فهذه أيضًا كراهية طبعية وليست كراهية شرعية، كذلك أيضًا قول النبي ﷺ: (حفت الجنة بالمكاره - يعني: التي تكرهها النفس- وحفت النار بالشهوات).
والكره الموجود في هذه النصوص التي ذكرناها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] وقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [النساء:١٩] وقوله: (وحفت الجنة بالمكاره)، وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥] كل هذا لا علاقة له بأصل الدين؛ لأن هذه الكراهية قد تكون طبيعية، وليست هي نفس الكراهية المذكورة في مثل قوله ﵎: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، هذه كراهية في الدين، ولذلك فهي تبطل وتحبط الإيمان؛ لأنها كراهية للحق والتوحيد والأنبياء.
وهذه الكراهية الطبيعة لا يمكن أن تكون مثل الكراهية التي في قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، فهذه الكراهية في الدين هي التي تمس أصل الدين والعقيدة وتحبط الإيمان.
هذا فيما يتعلق بالدين، أما إذا ما تخلف الحب الطبعي ووجد كره طبعي، فإنه قد يقدح في كمال الإيمان لكنه لا يقدح في أصله، كذلك إذا وجد الحب الطبعي والتواد والتناصر الدنيوي؛ فإن هذا لا يعني بالضرورة وجوب الحب الشرعي، وانعقاد الولاية الإسلامية؛ لأن الرجل بطبعه قد يحب زوجته أو ولده أو عشيرته وإن كانوا على غير دينه، ومع ذلك فإن هذا لا يقدح في أصل دينه إلا إذا حمله على فعل هو في ذاته كفر أكبر، يقول ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، فالأزواج هنا تشمل فيما تشمل الكتابيات اليهودية أو النصرانية إذا تزوجها المسلم بشرطه، ومع ذلك هذا لا يقدح في أصل الإيمان؛ لأنها محبة طبيعية وليست تنافي العقيدة.
وأيضًا قول الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، يعني: لقرابته منك، وقيل: إنها نزلت في قصة أبي طالب «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ» أي: هدايته، «وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»، فـ أبو طالب كان ينصر النبي ﵌ طيلة عمره، ويحرسه ويمنعه ممن آذاه، لكن هل صار بذلك مسلمًا؟ لا؛ لأن مناصرة أبي طالب للنبي ﷺ إنما كانت بفعل القرابة، وبسبب الحب الطبعي لا الشرعي، لذلك لم تكن نصرة في الدين، ومن أجل ذلك لم يكن بذلك مسلمًا، ويقول النبي ﵌ في العلامات التي إذا فعلها الإنسان يجد حلاوة الإيمان في قلبه: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، فهذه هي المحبة المعتبرة المعتد بها.

17 / 3