300
الأمر بقبول الهدية
وجاء الأمر بقبول الهدية وعدم ردها إذا كانت لا شبهة فيها ولا حرام، فأخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين) فنهى النبي ﷺ عن رد الهدية، وهذا الحديث صححه الألباني.
وكان النبي ﷺ يعطي عمر شيئًا من العطاء فكان يقول عمر: (أعطه من هو أفقر مني يا رسول الله! فقال النبي ﵊: إذا جاءك من هذا المال شيءٌ وأنت غير مستشرف) أي: غير متطلع (ولا سائلٍ) ما طلبته (فخذه فتموله) أي: تملكه (فإن شئت كله وإن شئت تصدقت به، ومالا -إذا كان خاليًا من هذه الشروط- فلا تتبعه نفسك) فإذًا: قوله: (إذا جاءك من هذا المال شيء فخذه) يدخل فيه الهدايا.
وقال النبي ﷺ: (من آتاه الله شيئًا من هذا المال من غير مسألة فليقبل، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليه) مادام أن المال أتى من غير مسألة، وأنت لست مستشرفًا له، ولا متطلعًا له، ولا متعلقة نفسك به تهفو إليه وترجوه، فخذه ولا ترده، فهذا مال مبارك.
ومن الأدلة أيضًا -أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية- قصة بريرة ﵂، وجاء في صحيح البخاري عديدٌ من الروايات في هذه القصة، فمنها ما رواه في كتاب الأطعمة، وربما تكون هذه الرواية هي أوضحها وأتمها، أن النبي ﷺ دخل يومًا بيت عائشة وعلى النار برمةٌ تفور فدعا بالغداء، فأتي بخبزٍ وأدمٍ من أدم البيت فقال: (ألم أر لحمًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله! ولكنه لحمٌ تُصدق به على بريرة، فأهدته، لنا وأنت لا تأكل الصدق، فقال النبي ﷺ: هو صدقة عليها وهديةٌ لنا).
إذًا: المال لما انتقل من شخص اختلف حكمه.
من المتصدق إلى بريرة صدقة، ومن بريرة إلى بيت النبي ﵊ هدية، إذًا: يجوز للنبي ﵊ أن يأكل منه، وقد كان النبي ﷺ: (إذا أتي بطعامٍ سأل عنه: أهديته أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل؛ -لأنه لا يليق بمقام النبوة أن يأخذ من صدقات الناس وأوساخهم- وإن قيل: هدية، ضرب بيده ﷺ فأكل معهم) رواه البخاري في كتاب الهبة.
إذًا: النبي ﵊ كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، والسبب في ذلك كما تقدم، وهذه آيته ﵊ في الكتب المتقدمة، أنه كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، والكتب المتقدمة كانت فيها صفة النبي ﷺ.
ولا شك أن هناك فرقًا بين الهدية والصدقة، فالهدية نوع من الكرامة، ومن باب حسن الخلق، وتتألف بها القلوب، وكان ﵊ يأكلها؛ لأنها من باب الإكرام ولا يردها؛ لأجل ألا يغضب الذي أهدى، أو يصبح في نفسه عليه شيء، فلا شك أن في أخذ الهدية تألفًا للقلوب وإبلاغًا له بأن إكرامك مقبول.
أما الصدقة من اليد العليا إلى اليد السفلى فلا تليق بمقام النبوة، وكان ﵊ يقبل الهدية ولو كانت قليلة ويسيرة، ولذلك قال: (ولو أهدي إلي ذراعٌ أو كراعٌ لقبلته) والكراع: ما دون الكعب، وما عليه إلا اليسير من اللحم، لكن لو أهدي إليه لقبله ﵊ ولم يحتقر شيئًا، وبذلك أوصى نساء المؤمنين فقال: (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فرسن شاة) والفرسن: هو في الأصل اسمٌ لخف البعير، فاستعير للشاة فهو ظلفها، ولم تجر العادة بإهداء ظلف الشاة، لكن ذكره على سبيل المبالغة، أي: اقبل الشيء اليسير من الهدية ولا ترده، فأحيانًا قد يهدي إليك أخ شيئًا يصنعه بيده من الأوراق التي لا قيمة لها في الحقيقة، فاقبله تطييبًا لخاطره وقلبه.

12 / 5