257

ومما يتشكك فيه ههنا أنه هل يصدق سلب تلو أمر لأمر لا يتفق لهما وجود البتة، ويكون ذلك السلب كليا. فبالحري أن يقع للإنسان أن قولنا: ليس البتة إذا كان هذا عددا، فهو خط؛ أو ليس البتة إذا كان هذا نباتا، فهو حيوان؛ أو ليس البتة إذا كانت النباتية عددا، فالنباتية فرد؛ قضايا صحيحة. لكنه قد مكن أن ينقض ذلك إذا جعل هذا المقدم شيئا محلا. فجعل العدد نهاية ذاتية للسطح يصير حينئذ خطا. وذلك مثل ما يقال مصرحا به: إن كان هذا عددا، وكان مع ذلك نهاية للسطح، فهو خط؛ وكذلك إن كان هذا إنسانا، وكان مع ذلك صاهلا، فهو فرس؛ وإن كان هذا ثنائية، وكان مع ذلك غير منقسم بمتساويين، فهو عدد فرد. وليس كون هذا المقدم محالا مما يجعل الشرطية كاذبة. فإنك تقول: لو كان الخلاء موجودا لكان بعدا، ولو كانت الثنائية غير منقسمة بمتساويين لكانت فردا. وتكون القضيتان صادقتين وإن كان مقدمها محالا. والقضايا الشرطية المستعملة في قياسات الخلف بهذه الصفة، فإن ليس كون المقدم باطلا يجعل القضية كاذبة. لكنا قد أوردنا مثل هذا السؤال في الكلية الموجبة. والجواب عن ذلك يسهل مأخذ الجواب عن هذا. وأما السالبة الجزئية المتصلة فتعرفها مما يسهل لك من قبل معرفتها بالكلية السالبة من حيث هي سالبة، ومن قبل معرفتك بالجزئية الموجبة من حيث هي جزئية موجبة. وإذا بلغ بنا الكلام في تعريف الإيجاب والسلب في المتصل هذا المبلغ فبالحري أن نتعرف مثل ذلك في المنفصل. فنقول: إن الأمر في كلية الإيجاب المنفصل في الانفصال الحقيقي هو كالظاهر، وهو أن العناد المتكافيء يكون دائما عند كل وضع للمقدم. لكن يجب علينا أن نحقق تفهيم هذه السوالب، ولنعمد إلى أعسرها تصورا. مثل قولنا ليس البتة إما أن يكون كل آ ب، وإما أن يكون كل ج د. فنقول: إنه إنما لا يصدق في أحوال ثلاثة: أحدها، أنة يكون القولان وهو قولنا: كل ى ب، وقولنا: كل ج د، يجتمعان بالصدق في كل حال، كقولنا: ليس البتة إما أن يكون كل إنسان ناطقا، وإما أن يكون كل حمار ناهقا. والثاني، أن يكون القولان جميعا يجتمعان بالكذب في كل حال، كقولنا: ليس البتة إما أن يكون كل إنسان ناهقا، وإما أن يكون كل حمار ناطقا. والثالث، أن يكون أحدهما حقا دائما، والآخر محالا غير معاند ولا مقابل، مثل قولنا: ليس البتة إما أن يكون الاثنان زوجا، وإما أن يكون الاثنان كيفا؛ وهذا واجب الصدق في كل حال؛ أو مثل قولنا: ليس البتة إما أن يكون كل إنسان حيوانا، وإما أن يكون الخلاء موجودا. فإنه ليس يعاند أحدهما الآخر، ولا يلزم من أحدهما نقيض الآخر. وإن كان نقيض أحدهما، وهو المحال منهما، يصدق مع عين الآخر دائما، وليكن ليس صدقا لازما إياه، حتى لو كان كذبا لكنا يلزم منه رفع الآخر. هذا إن عنينا بلفظة إما إيجاب عند المقدم لتاليه، على أن وضعه يمنع وضعه. وأما إن عنينا به نظير ما عنينا في المتصلات الغير الحقيقية، وهو أن يكون المرتفع قد علم ارتفاعه بنفسه، أو هو مستحق لذلك في نفسه لا لوضع المقدم، فهذه السالبة تكون كاذبة في مثل هذا الوضع من هذا القسم الأخير؛ إلا أن المنفصلات لا تتصور مع عناد البتة. وإذا كان في الأجزاء سالب فليس يعتبر فيه جانب جواز الاجتماع من هذه الوجه حتى يكون قولنا: ليس البتة إما أن لا يكون شيء من آ ب، وإما أن لا يبكون شيء من ج د، قد يصدق بسبب أنه سلب لكاذب؛ هو قولنا: إما أن لا يكون شيء من آ ب، وإما أن لا يكون شيء من ج د؛ لأن هين قد يجتمعان معا اجتماعا لا تكون هذه القضية لأجله كاذبة. فإذا كانتا هاتان جائزتي الاجتماع، والقضية تكون صادقة، لم يجب أن يصير نقيضها صادقا كما كان في الموجبات. فقد بين الوجه الذي عليه تتصور هذه القضايا. وذلك إذا كانت موجباتها المقابلة لها كاذبة. وذلك لإحدى العلل المذكورة. ثم يشكل ههنا أنه هل يصدق إما أن يكون كل، وإما أن يكون كل، وإما أن يكون لا شيء، وإما أن يكون لا شيء. وذلك لأنه لقائل أن يتشكك فيقول: كيف تصدق القضية القائلة: إما أن يكون كل آ ب، وإما أن يكون كل ج د؛ أو القائلة: إما أن يكون لا شيء من آ ب، وإما أن لا يكون شيء من ج د. وكيف يتفق أن يقع هذا التعاند بين كليتين؟ فنقول: إن هذا الإشكال أكثر عرضوه إنما هو في المشتركات في الموضوع، وذلك أنه كيف صار يصح أن يقال: إما أن يكون كل آ ب، وإما أن يكون كل آ ج. ويوقف عليه ويترك القسم الثالث، وهو أنه إما أن يكون بعض وبعض. فنقول أو: إن حوزا هذا في المنفصلات اللاتي انفصالها وارد بعد الموضوع، فهون أمر ظاهر متعارف، كقولك: كل عدد إما زوج، وإما فرد. فإن العموم قد تناول كل واحد من حالتي الانفصال. وإنما يشكل في الانفصال السابق لوضع المقدم. والذي نقوله في جواب ذلك: أما أولا: فإنه ليس كلامنا في هذه القضايا على أنها صادقة، أو كاذبة، بل على أنها قضايا. فلا يكون فقدان الصدق في صنف منها موجبا علينا أن نسقطه عن جملة الأصناف. وأما ثانيا، فليس علينا أيضا أن نطلب فيها الصدق الحقيقي، بل الشهرة قد تكفينا في استدعاءها إلى تعديدها، أعني إذا كان قد يقبل صدقها، وإن لم تكن حقيقية. فليس يلزمنا لا محالة أن نورد من الصادق ما كان الصدق في صنفه موجودا بالبديهية؛ بل إن كان مما يتبين صدقه بالحجة، فهو أيضا من جملة الصادقات. فمثال ما وجد من المشهورات مطابقا لهذا الصنف، أن القوم الذين صح عندهم وقام في أنفسهم أن الفاعل لا يكون إلا واحدا، فإنه مشهور عندهم مقبول لديهم أنه إما أن تكون كل حركة فعل الله؛ وإما أن تكون كل حركة فعل العبد. فإذا استثنوا أنه ليس كل حركة فعل العبد، أنتجوا أن كل حركة من عند الله وفعله. ويكون مشهورا فيما بينهم أيضا أنه إما أن لا يكون شيء بقضاء الله، وإما أن لا يكون شيء بفعل الناس. وربما لم تكن هذه كثيرة الاشتهار، أعني التي من سالبتين كليتين. لكن إذا قلبت إلى الإيجاب كان يكون مشهورا عندهم، كقولهم: إن كل شيء إما أن يكون إما أن يكون بقضاء الله، أو يكون كل شيء بفعل العبد؛ لا لأنه لا فاعل إلا واحد. وأما في العلوم وفي الصدق الحقيقي، فإن الشيء الذي يقتضيه النوع إما مسلوبا عن كل واحد، أو موجبا لكل واحد، مثل طلب طبيعة النار مكانا معينا، والأرض مكانا معينا، فإن ذلك يكون للكل، وبالجملة كل ما هو أفضل أو لازم للنوع مما ليس بعرض عام زائل. فإن ما كان هذا صفته، واعلم أن هذا صفته، علم يقينا صدق القضية التي بنى انفصالها على متقابلين: أحدهما هذا الشيء، والآخر مقابله. مثاله إما أن تكون كل نار متحركة إلى فوق، وإما أن تكون كل نار متحركة إلى أسفل؛ أي إما أن تكون كل نار مكانها بالطبع فوق، أو تكون كل نار منها بالطبع أسفل. وهذا إن كان يحتمل التقسيم الذي يبني على البديهة قسما ثالثا، وهو إما أن يكون بعض النار كذا، وبعضه كذا. فهذا القسم الثالث مستحيل إثباته في القسمة التي تكو ن بعد العلم، فإن طبيعة النار لا تختلف عن ذلك؛ بل يكون القسمان المذكوران كافيين والقضية صادقة، حتى أيهما استثنى عينه أنتج نقيض الثاني، وأيهما استثنى نقيضه أنتج عين الثاني. و إذا استثنى نقيض أحدهما صح أن نقول: فيجب أن يكون لا محالة القسم الثاني بعينه. ولو كان في الأقسام قسم ثالث لم يجب أن يكون من رفع الأول إثبات هذا الثاني، كما يكون إذا كان الأصل الذي يبنى عليه مجهولا. فكان حينئذ إلى قسم ثالث؛ وكان إذا رفع القسم الأول لا يجبه عند الذهن إثبات الثاني وحده، لجهالته، لا لأنه غير واجب في نفس الأمر. فقد بان أنه قد تكون قضية صادقة بهذا الصفة. وكذلك قد نجد لهذا أمثلة في القياس الثاني من القياسات الاستثنائية عن مقدمات منفصلة، إذ انتقل عن الاستثناء الأول إلى الاستثناء من النتيجة وهي ناقصة قسم. وأما الجزئيات فبالحري أن يتشكك في أمرها، فيقال: إنه كيف يصلح أن يقال: قد يكون إما كذا وإما كذا، وليس ذلك كليا دائما، إلا أن يكون عنادا غير تام. فنقول: إنه ربما كانت الأقسام بحسب الأمر المطلق مثلا ثلاثة، وإما بحسب وضع حال. فأثنان أو أقل من القسم المستوفية، مثل إن الأقسام في قولنا: إن كل مقدار إما ناقص وإما زائد وإما مساو ثلاثة؛ فإن فرض أن كان المقدار ليس مساويا، أو استثنى من ذلك فبقيت نتيجة يحتاج أن يستثنى منها، كانت الأقسام اثنين. فإن المقدار بهذا الشرط يكون إما زائدا وإما ناقصا فقط، ويكون العناد حينئذ تاما؛ إذ أيهما أوجب رفع الآخر، أو رفع أوجب للآخر. فإن قال قائل: فيكون إذن قولنا: كل مقدار ما؛ ناقص وإما زائد مساو ليس إيجابه دائما، إذ حينئذ لا يصدق. فنقول: إن كان لا يصدق حينئذ فهو كذاك. فإن هذا حينئذ لا يكون إيجابه دائما؛ بل يصدق تارة وتارة يكذب. وشيبه حينئذ أن يكون كل منفصلة يشتمل حال القسمة الأولى منه على أجزاء فوق اثنين. فهو منفصلة ليس فيها انفصال كلي الإيجاب. وذلك أن عند وضع نقيض قسم، وهو ممكن، يبطل صدق الإيجاب الانفصال أكثر من اثنين. ولا أيضا إيجاب انفصال الاثنين منهما فقط يصدق دائما؛ بل إننا يكون الانفصال الدائم الصدق حيث الأجزاء في القسمة الأولى اثنان. فإن كان هذا الانفصال قد يصدق مع ذلك الاستثناء، إذ الانفصال صدقه لصدق أجزاءه، فلا يلزم هذا الطعن.

Page 297