253

فلننظر هل قول القائل: إن كان كل حمار ناطقا، فكل إنسان ناطق، صدق في معنى الموافقة؟ فنقول: يجب أن لا يكون صدقا على معنى الموافقة. فإنه إذا فرضنا كل حمار ناطق، أو لا شيء من الحمير ناطقا، فالصدق في نفسه هو: أن كل إنسان ناطق. فإذا اعتبرت كون التالي صدقا في نفسه، لا لازما عن المقدم، فقولنا: كلما كان الحمار ناطقا، فإن كل إنسان ناطق، حق. واعلم أن إذا قلت: إن كان، أو إذا كان، لم يجب أن يخطر ببالك من نفس اللفظ أن ذلك يكون، أولا يكون. فإن عرفت ذلك فعده في جملة ما تعرفه من خارج؛ بل هذا اللفظ يدل في كل موضع على معنى أعم من الذي يفهم معه أن له وجودا أو ليس ه. وإذا كان المفهوم من هذا اللفظ في كل قضية شرطية هذا، كان مفهومه في كل موضع الفرض. فأما إلا لفتات إلى أن المفروض يوجد، فليس من قبيل هذا اللفظ. فبين إذن أن المقدم من حيث هو مقدم، لا يتوقع فيه الوجود، وإنما هو فرض فقط، ويتخصص بأن يكون تارة فرضا حقا في نفسه، وتارة حقا بحسب فرض ما، أو غير ملتفت إلى أنه حق، بل منتظر الحكم موقوفه. وليس معنى الفرض أنك فرضته بالفعل أو تفرضه في المستقبل، بل إنه إذا صحح فرضه صح ما يتلى إياه. وأما المحال فإنه إذا فرض مقدما فليس فيه إلا الفرض هذا. وأما التالي فيذكر على أنه موجود وحاصل مع المقدم، إذ يقولون: فالنهار موجود، بعد ما قالوا: إن كانت الشمس طالعة. وهذا يدل على أن الحكم بأن النهار موجود، حاصل مع الفرض المفروض. فيجوز بعد ذلك أن يكون على سبيل الموافقة، وأن يكون على سبيل اللزوم. وأما المقدم فإذ كان كونه مقدما ليس لأنه موجود؛ بل بمعنى أعم من الفرض اصرف، ومن الوجود في نفسه. وذلك أنه حيث يصح الوجود يكون الفرض حاصلا، وحيث لا يصح الوجود يكون الفرض حاصلا، فإن دل على التخصيص دل على شيء هو بعد الفرض. واعلم أنه إذا كان المقدم مفروضا، وهو أمر غير ممتنع، فيكون اتصال التالي به على سبيل الموافقة وعى سبيل اللزوم معا. وأما إن كان باطلا فقد يتبعه الحق، وقد يتبعه الباطل. فإن يتبعه الحق فإن تصور إتباعه على وجهين: أحدهما، أن يكون الاتباع على أن الحق موجود مع وجوده، وهذا كاذب دائما ولا يذهب إليه. والآخر، على أن الحق يكون موجودا في نفسه، مع كون الباطل مفروضا، وهذا دائم الصدق، حتى أن قولنا: كلما كان الإنسان غير ناطق، أي بالفرض، فالإنسان ناطق، أي في نفسه حق. وإما إن كان بمعنى اللزوم، فكثيرا ما يكون ذلك. لكن لزومه يكون لازما على الفارض، فإنه يلزمه أن يقول بذلك، وليس يجب أن يكون ذلك حقا في نفسه، وقد أشرنا إلى ذلك. وأما الباطل الذي يبتع الباطل، فإنما يتبع على سبيل اللزوم فقط. واعلم أنا إذا قلنا: كلما كان كل إنسان ناطقا، فكل حمار ناهق؛ عنينا بالمقدم: الفرض؛ وبالتالي: الموافقة. فكأنا قلنا: كلما فرضنا أن ك إنسان ناط، فرضا على أنه حق في نفسه، والوجود يطابقه، أو حق بحسب الفرض، أو منتظر موقوف، فإنه يوافقه أن كل حمار ناهق. ولو كان بدل حمار ناهق، فكل إنسان ضاحك، لكان الفرض يلزمه هذا التالي، ويشتركان في أن الفرض يتبعه هذا اللازم.

Page 290