235

ولنعد إلى حيث فارقناه. وقالوا: والخلف لا يبين هذا. ولك لأن قائلا إن قال: إن لم يمكن أن لا يكون شيء من ج آ، فبالضرورة بعض ج آ، وكان لا ضرورة في شيء منه، وهذا خلف. لم يكن صنع شيئا. قالوا: وذلك لأن قولنا: يمكن أن لا يكون شيء من آ ج مقابله أمران، أحدهما بالضرورة: بعض ج آ، والآخر بالضرورة: لا شيء من ج آ، ولا كل ج آ. فلا يجب إذن هذا الخلف. فهذا ما قيل في التعليم الأول وكله صواب حسن. ولكن مراعاة مقابلة ضرورتي الإيجاب والسلب معا للسلب الممكن، أمر كان منسيا إلى هذا الموضع، وقد تذكروه ههنا. فعسى أن يكون كلامهم فيما سلف ليس بحسب الممكن الحقيقي، بل بحسب الممكن العام، أو هي امتحانات. وقالوا أيضا: إن هذه المقدمة، وإن لم تنعكس كليا، فستنعكس جزئية. وهذا شيء له تأويل ما بعيد في التعليم الأول. ولكن الذين جاءوا من بعد فقد قالوا: إنه ينعكس جزئا على ظاهره. وذلك لأن قولنا: لا شيء من ج آ بالإمكان الحقيقي، ينعكس: أن كل ج آ بالإمكان الحقيقي، وهذا ينعكس: أن بعض آ ج بالإمكان الحقيقي. إذ الممكن الموجب ينعكس جزئيا موجبا عندهم، ثم ينعكس هذا إلى السالبة بأنه يمكن أن لا يكون بعض ج آ. فقالوا: إن السالب الجزئي الممكن ينعكس لاستحالته أولا موجبا جزئيا، ثم انعكاس ذلك جزئيا موجبا؛ ثم انقلاب ذلك إلى السالب الجزئي. فهذا ما قالوه، بل أقوى ما قالوه. وليس يعجبني قولهم: إن الكلي الموجب الممكن ينعكس جزئيا موجبا ممكنا حقيقيا؛ بل إنما ينعكس ممكنا بالمعنى العامي الذي لا يجب أن ينعكس سلبه على إيجابه. وذلك أنه يمكن أن يكون نوع، وله أمر ما بالقوة في أشخاصه كلها، وذلك الأمر لا يصح أن يكون شيء يوصف بأنه هو إلا ويحمل عليه النوع، كقولنا: كل إنسان يمكن أن يخجل، فكل خجل فهو إنسان بالضرورة. وكذلك كل إنسان يمكن أن يتحرك، والمتحركات بعضها ناس بالضرورة، وبعضها بالضرورة ليس ناسا، اللهم إلا أن يقصدوا قصد السور الذي جاز لنا الآن أن نعقله. والذي تكلفه بعض المتكلفين أن بعض الخجلين بالقوة ناس بالقوة، فقد أجبنا عنه في مواضع. ولو صح مثل هذا القول، لصح قول القائل بعض الناس حيوان بالإمكان الحقيقي؛ إذ كان بعض الناس بالقوة حيوانا بالقوة. ولالذي قاله بعض الفضلاء إنا نقول: كل حيوان ممكن أن يكون نائما من جهة ما هو نائم، فبعض ما هو نائم من جهة ما هو نائم ممكن أن يكون حيوانا، لأن حيوانيته ليست له من جهة ما هو نائم، فمغالطة صرفة. أما ما يجب أن يعلم في هذا بالحقيقة، فأمر قد سلف بيانه. وأما القدر الاذي ينبغي أن نعيده ونقوله ههنا فهو: أن لفظة من جهة ما هو نائم، إما أن تقال على أنها جزء من المحمول أو من الموضوع. فإن كانت جزئا من المحمول، فيجب أول شيء أن تجعل في العكس جزءا من الموضوع، حتى يقال: وبعض ما هو نائم من جهة ما هو نائم فممكن أن يكون حيوانا. وهذا كما تسمعه. ثم هب أنه حق، فليس كلامنا فيه. فلا يمنع أن يكون مواد تنعكس فيها الممكنة ممكنة. وليس دليل صحة العكس هو أن ترى مواد ينعكس فيها الشيء؛ بل دليل صحته أن القضية لا تنعكس، هو أن ترى ماجدة لا تنعكس فيها. وإذا كان ذلك كذلك، فهب أن هذا حق ومنعكس. ولكن أنت تعلم أيها الفاضل أن النائم بلا شرط غير النائم بشرط أخذ كونه نائما، ومن جهة ما هو نائم، والنائم بلا شرط ممكن الحمل على الحيوان ثم لا ينعكس. فإنه لا يخلو إما أن يحمل عليه الحيوان أو لا يحمل، فإن لم يحمل البتة فليس ينعكس. فإن حمل عليه دائما فهو ضروري. وإن حمل عليه وقتا دون وقت، فسيكون: نائم، ليس بحيوان. وهذا محال. وإما أن يكون جزءا من الموضوع، ولنساعد حينئذ، ولنسلم أن النوم يكون ممكنا له ويكون في هذه المادة ينعكس، ولكن كلامنا في أن نأخذ الحيوان حيوانا، ونعتبر معه النوم على أنه محمول بلا شرط يلحق الحيوان، أليس يكون النوم ممكنا له ولا ينعكس؟ فهذا الفاضل في تكلفة هذا يجرنا قهرا إلى أن نجعل المثال الذي أوردناه مثالا آخر يوافق غرضه. ونحن إذا ساعدنا وسامحنا أن يكون المثال الذي يقلب عليه اعتباره هو على ما يقول، وانعكست الممكنة هناك صادقة، فلم يجب أن تكون منعكسة على الإطلاق، اللهم إلا أن يجرنا كرها على أن نعتقد أن لا فرق بين المثالين. وهذا مما لا يضطرنا إليه.وكيف ونعلم أن الحيوان بما هو نائم معنى، والحيوان معنى، والنائم مطلقا معنى. وقد بينا الفرق بين ذلك كله فيما سلف، مما ل لا حاجة إلى مزيد عليه. فالحق ما نقوله، والباطل ما يتعصبون له. ولنسلم أن الممكنة السالبة تنعكس موجبة ممكنة، فتلك الموجبة ليس يجب أن تنعكس موجبة ممكنة حقيقية، وإن كان يجب أن تنعكس ممكنة بالمعنى الأعم. وذلك فإنه إذا كان كل آب بالإمكان الحقيقي، فبعض آب بالإمكان العامي، وإلا فبالضرورة لاشيء من ب آ، وكان كل ب آ بالإمكان. ولكن هذا الانعكاس لا يقرب الغرض الذي نحوه. فإنه ليس يجب إذا كان آ ب بالإمكان العامي أن ينعكس إلى السلب، فيكون ممكنا أن لا يكون ذلك البعض من آ ب، فإن الإمكان العامي لا يجب له انعكاس إلى السلب وإلى الإيجاب، فربما كانت المادة تصدق علاها الضرورة، فبهذه الأشياء يتبين أن الموجبة الممكنة لا تنعكس مثل نفسه، بل تقلب هي والسالبة الممكنة جزئية موجبة ممكنة بالمعنى الأعم. فإن السالبة الجزئية لا يجب لها انعكاس إلا موجبة جزئية ممكنة المعنى الأعم تابعة فيه الجزئية الموجبة. فيخالف الممكن في هذا الباب غيره، في أنه ما كان يجب لغيره أن ينعكس السالب الجزئي منه شيئا. وههنا يجب أن ينقلب جزئية موجبة. ثم من جملة هذه الأقاويل تبين أن العكس لا ينفع في بيان أن قرينة من القرائن المؤلفة عن المقدمات الممكنة في الشكل الثاني قياس.

وليس يمكن أيضا من طريق الخلف أن يتبين ذلك، لأنا إن وضعنا كل آ ب، وبعض ج ب بالإمكان لم يكن مناقضا للسالبة الممكنة ولم يبين به شيء. وأما إذا أخذنا نقضيها، وهو أنه ليس بممكن أن لا يكون شيء من ج آ. وذلك يصدق، إما لأن بعض ج آ بالضرورة، أو بعض ج بالضرورة ليس آ. فإذا قلنا بعض ج آ بالضرورة، فإما أن نأخذها صغرى أو كبرى. فلتكن صغرى، فتنضاف إليه، ويمكن أن لا يكون شي من آ ب، أو يمكن أن يكون كل آ ب، فينتج: بعض ج بالإمكان هو ب، أو ليس ب. وهذا هو الذي كان وضع أولا. ولنجعلها كبرى، ولنجعلها مع ذلك كلية، فنضيف إليها مقدمة ج ب ينتج من الثالث: بعض ب آ، أو ليس آ، كيف كانت جهته. فلا يناقض شيئا من المقدمات، فلا يبين به شيء بالخلف، إلا أن تتفق النتيجة ضرورية في مادة ينعكس فيها الضروري الموجب ضروريا لا محالة. فإن كانت عكس النتيجة تلزم ضرورية، فإنها تناقض الممكنة التي هي إحدى المقدمتين المحكوم فيها بالإمكان الكلي، لكن ليس هذا مما يتفق دائما، ولا الصادق دائما عند كذب الممكنة هذه الموجبة الضرورية، بل ربما كان الصادق الآخر، وإن لم تكن ضرورية، لم يناقض ما قيل. ثم إذا اعتبرنا الجزئية السالبة، وأخذنا بعض ج بالضرورة ليس آ، ولنجعله كبرى أولا، فيكون في الشكل الثالث فقط، لأنه جزئي وسالب، ويكون هكذا: كل ج ب بالإمكان، وبالضرورة ليس بعض ج آ، ينتج: فليس كل ب آ، كيف شئت أن تكون عليها الجهة. فإن كانت مطلقة صرفه، لم يناقض الممكن ولو كان الحمل والوضع واحدا. وإن كانت ضرورية، لم تناقض لأنها عكس بعض المقدمات العكس الذي لا ينعكس ضرورية. ولست أعني بالعكس أنه ينعكس عنه؛ بل إنه مخالف في وضع جزئية له. فإن أخذت صغرى، لم يصلح إلا في الشكل الثاني؛ إذ السالب غير الممكن لا يكون صغرى في شكل غير الثاني، فلا ينضاف إليه غير الكبرى، ولا ينتج أيضا نقيضا لمقدمة بوجه، ولا يمكن أن يبين بالافتراض. فإن الافتراض في هذا الشكل إنما يبين بقياس كلي من هذا الشكل الثاني نفسه، ثم بقياس يبين النتيجة الجزئية، فالكليتان من التأليفات من القرائن الواقعة في هذا الشكل لا تتبينان بالافتراض، والجزئيتان يمنع عن بيانهما به أن لا يستبين القياس الكلي في الشكل نفسه. فإذن لا نتيجة من ممكنتين في الشكل الثاني.

وإن اختلطت في المقدمات من مطلقة وممكنة، فأنت تعلم أيضا أنه لا يكون قياس، إذا كان المطلق بالحال المذكورة في المطلقات في الشكل الثاني كيف كان. وإما إن كان المطلق سالبا ينعكس، فيكون عنه وعن الممكن قياس، سواء كان الممكن موجبا أو سالبا. فإن كان المطلق موجبا والممكن موجبا لم يكن قياس، وهما في حكم الموجبتين.

ولنعد الضروب المنتجة من هذا الشكل عدا .

فالضرب الأول: كل ج ب بالإمكان، ولا شيء من آ ب بالإطلاق المنعكس، ينتج ما ينتجه الضرب الثاني من الشكل الأول، ويبين بعكس السالبة.

Page 268