225

ولكن يلزم بحسب اعتبار السور على ما علمت أن تصير الممكنة والضرورية في حكم واحد. فيكون كما أن قولنا: كل حيوان أو كل أبيض إنسا بحسب المستقبل، هو قضية ممكنة؛ كذلك قولنا: ليس ولا واحد من الحيوان بإنسان، على ما سلف لك، قضية ممكنة. فتكون هذه القضايا بحسب اعتبار حصرها ممكنة أن تصدق أو تكذب في المستقبل، وهي في مادتها ضرورية، وتكون هذه نظيرة المطلقات التي مضت. إلا أن أمثال هذه القضايا قضايا ليست الجهة فيها بالحقيقة جهة القضية، بل السور. وجهة القضايا جزء من حدها. فكأنه يقول إن قولنا: كل حيوان إنسان، قول ممكن أن يكون صادقا. وكذلك في الإطلاق، بل يجب أن يلتفت إلى المثال المتقدم. ولقائل أن يقول: إن وجود زيد في الحال وفي الاستقبال، إذا اتفق أن استمر فيهما، وكذلك حيوانيته وقعوده المستمران، وغير ذلك، ليست أمورا متجددة بوجه من الوجوه. وكذلك لا كون زيدا قاعدا، ليس مما يتجدد في المستقبل، إذا لم يكن قاعدا في الحال، واستمر. فإن كان الذي في المستقبل هو هذا بعينه الذي في الحال، وهذا مطلق وضروري بشرط، فكيف يكون ممكنا؟ فنقول: إنه يجوز أن يكون شيء في وقت وحال بصفة، وهو بعينه في وقت وحال واعتبار آخر بصفة أخرى. فالوجود والإنسانية والقعود ومقابلاتها هي في أنفسها أمور لبها أحكام أخرى تلحقها مثل: أنها ممكنة ومطلقة. وتلك الأحكام هي بحسب محمولات أخرى تضاف إلى أنفسها. وليس يتجه نظرنا هذا إلى معانيها في أنفسها؛ بل إنما يتجه إلى نسبتها إلى موضوعاتها. ونسبتها إلى موضوعاتها الان ليست نسبتها إلى مطلقة لموضوعاتها، وباعتبار وقت يفرض مستقبلا ممكنة لموضوعاتها. وإن كان وجودها في أنفسها وجودا واحدا مستمرا على استحقاق واحد، فقد لاح من هذا صحة جميع ما أوردناه بدءا، ولاح أيضا أنه حق ما قيل من أن الممكن الخاص والأخص قد يرجع موجب كل واحد على سالبه. فما يمكن أن يكون، يمكن أن لا يكون؛ إذ لا ضرورة لا في أن يكون، ولا في أن لا يكون؛ إذ كل ممكن لا ضرورة فيه بوجه. وما لا ضرورة فيه بوجه ممكن، فما كان يمكن أن يكون لكل واحد، فيمكن أن لا يكون لكل واحد واحد. وما يمكن لبعض، فيمكن أن يكون لذلك البعض. وكذلك إذا كان اعتبار الإمكان إنما هو في السور، فإن ما أمكن أن يكون كله كذا فيمكن أن لا يكون كله، وما أمكن أن يصدق بعضه كذا ولم يكن ضروريا فيه هذا الصدق أمكن أن يصح أنه ولا واحد منه. فإنه إن كان قولنا: ولا واحد، دائم الكذب؛ فقولنا: بعض من حيث هو بعض، دائم الصدق، لا يمكن أن يكذب البتة، فلا يكون صدقه مكنا بل واجبا، وجعلنا صدقه ممكنا. فكل ما هو ممكن أن يكون، يرجع فكون ممكنا أن لا يكو ن، يشترك في ذلك الأكثري والأقلي. لكن يختلف في شيء آخر، وهو أن الأكثري يكون كون أحد طرفيه موجودا مطلقا أكثر والآخر أقل. وليس كونه موجودا أكثر مما هو كونه ممكنا. وهو من حيث اعتبار إمكانه يتساوى انعكاسه إلى السلب، ومن حيث الوجود لا يتساوى. فليس وجود الأكثري وجودا ولا وجوده بمنزلة واحدة من حيث الوجود. وكل ما أكثري وجودا فهو أقلي لا وجودا.وكل ما هو أقلي وجودا فهو أكثري لا وجودا. وأما المتساوي فهو متساو من حيث عكس الإمكان ومتساو من حيث الوجود. ونعني بالأكثري وجوده جميع ما كان وجوده بحسب الواحد في أكثر زمانه، وما كان وجوده لأكثر أشخاص نوع واحد، وإن كان لكل واحد منهما دائما، كأكثرية كون الإنسان ذا خمس أصابع، أو كان موجودا لأكثر الأشخاص في أوقات ليست بأكثر الأوقات، بل أوقات ما كالاحتلام أو كالشيب أو كامتداد القامة، أو يكون لأكثر الأشخاص وفي أكثر الأوقات الغير المحدودة مثل الإبصار بالفعل للناس. والممكنات الأكثرية إما أمور طبيعية كانت يجب لولا عوائق من خارج أو من عصيان المادة مثل الصحة ومثل كون الإنسان ذا خمس أصابع، وإما إرادية تصدر وتجب عن الإرادة لولا عوائق. وقد علمت أن الأكثريات يبحث عنها من حيث الوجود من حيث الإمكان. وأما الآخر فمن حيث الإمكان فقط. ولذلك فإن الأكثريات تؤخذ مقدماتها في القياسات كالمطلقات، فيقال: من سقى السقمونيا أسهله، ذلك صفراء؛ ولا يقال ممكن. فإنه إن قيل: يمكن، أوهم أنها ممكنة لا يتعين منها طرف، فنظرت التنفس إليه من حيث الإمكان لا من حيث الوجود فنبا عنه التوقع فرفض. فإن الممكن من حيث هو ممكن غير معلوم الوجود، ولا على تعين الوجود فيه قياس، اللهم إلا الأكثري من حيث هو أكثري، فإن وجوده مظنون مع أن إمكانه معلوم. وعلى وجوده قياس ما، كما على إمكانه. وأما المتساوي فليس على وجوده قياس ولا هو معلوم؛ بل إمكانه هو المعلوم فقط. ولذلك ما كانت الممكنات المتساوية والأقلية لا توضع موجودة في العلوم، ولكن تطلب ممكنة بحيلة كما في علاج السل والاستسقاء ورد المزاج إلى الأصلح، أو لتحذر، وذلك فيم يرجع إلى عمل، ولتعلم أن الأمر غير محال، وذلك في الأمور النظرية. ومع ذلك فإن الممكنات قد تؤخذ في صنائع أخرى موجودة، كما يقال في الخطابة: فلان كلم العدو م الحصن جهارا، فهو خبيث النية. كأنه قال: ومن يفعل هذا يكن خبيث النية؛ ولا يقول: إنه يمكن أن يكون خبيث النية، فإنه إذا قال هذا لم يقنع في غرضه، إذ إمكان خبث النية مما لا يحتاج أن يبين ويخطب له، ولا معرفته بنافعة في التدبير؛ ولأخر من الخطباء أن يقول: فلان كلم العدو من الحصن جهارا، فليس بخبيث النية؛ كأنه يقول: ومن تكلم جهارا لا يكون خبيث النية. فهذه مقاييس خطابية تستعمل فيها الأمور المتساوية من حيث الوجود، وقائلها يوهم فيها، لا أنها أكثرية غير متساوية فقط؛ بل أنها موجودة على ما نوضح في صنعة الخطابة والسوفسطائية والشعرية. وقد تستعمل أيضا الأقلية والممتنعة الوجود؛ بل قد يستعمل ذلك في الخطابية أيضا إذا كانت مظنونة. وجميع ما قلناه في الممكن إنما هو بحسب طبيعته، وليس الغرض في ذلك تعريف حال الممكن عندنا المجهول، فإن كل مجهول عندنا يمكن أن يكون وأن لا يكون. وربما كان في نفسه واجبا، وربما كان ممتنعا، وربما كمان بالحقيقة ممكنا.

المقالة الرابعة من الفن الرابع من الجملة الأولى في المنطق

الفصل الأول (ا) فصل في القياسات الممكنة في الشكل الأول

Page 257