al-manṭiq
المنطق
الفصل الخامس (ه) فصل في إعادة النظر في رسم الممكن وتحقيق القول فيه
فقد انشرح ما كان يجب انشراحه، ليتحقق به الرسم المذكور، ولنعد الآن النظر في هذا الرسم. ولنتأمل أنه هل يطابق الممكنين الخاصين فنقول: إنه يطابق كل واحد منهما باعتبار دون اعتبار. وذلك لأنا إن عنينا بالضروري المذكور فيه، الضروري الحقيقي، طابق الممكن الخاص؛ وإن عنينا بالضروري المذكور فيه، كل ضروري كان بشرط أو بغير شرط، طابق المكن الأخص. وأيهما كان فلا يجب أن يقع فيه إلتفات إلى شرط وجود الشيء أولا وجوده، أما الخاص فإن المطلق الصرف أخص منه فلا يجب أن يلتفت في تصوره إلى وجه يجعله مطلقا ويخصصه. وأما الممكن الأخص فلا يجب أن يلتفت في تصوره إلى حال الأمر الذي هو ممكن من حيث وجد أو لم يوجد، فإن كل وحد من الشرطين يجعله ضروريا بذلك الشرط. وقد جعلناه غير ضروري بشرط، بل ممكنا صرفا، بل يجب أن ينظر إلى حاله من حيث لا ضرورة فيه، ومن حيث لم يشترط شرط واجب الضرورة. فأما هل يوجب هذا النظر أن يجعله مستقبلا ويقتصر باعتباره على الاستقبال لا غير، فالظاهر من أمره هو أن الموجود من الأمور وما لم يوجد - سواء كان في الحال أو في الماضي - قد صارت له ضرورة ما. ومن أحب أن يرفع الضرورة أصلا، فإنه يحوج إلى اعتبار الاستقبال، فإن كمان ليس ينعكس، فيكون كل ما في الاستقبال ممكنا. فإن كسوف القمر في وقت معلوم من المستقبل، ولا كسوفه في وقت آخر، ليس بممكنين بهذا المعنى الأخص، بل فيهما ضرورة على ما علمت. فأحد الوقتين فيه القمر منكسف بالضرورة، والآخر هو فيه بالضرورة غير منكسف.
فلننظر الآن أنا إذا قلنا: كل إنسان يمكن أن يكون كاتبا، هل يخرج الناس السالفون من هذا الحكم، والذي وجودهم حاصل حال ما ينعقد هذا العقد؟ أو يقال هذا اللفظ ويعنى بذلك أن كل إنسان من الموجودين فيما يستقبل من هذا الوقت وهذا العقد هو بصفة كذا؟ وكذلك إذا قلنا: يمكن أن لا يكون أحد من الناس كاتبا، هل ذلك إنما يتناول الداخلين في الوجود والمستقبلين معا؟ أو إنما يختص بالموجودين في الاستقبال؟ فنقول: لا حاجة لنا إلى ذلك. فإن قولنا: كل إنسان، معناه كل واحد واحد مما هو إنسان. فإذا قلنا: كل واحد مما هو إنسان أي وقت فإنه يمكن أن يكون كاتبا وأردنا أن كل واحد واحد منهم، فإنه في مستقبل كل وقت من أوقاته غير ضروري بوجه من الوجوه أن يكتب وأن لا يكتب، بل صحيح أن يكتب وأن لا يكتب مادام الوقت مستقبلا، كان هذا القول صادقا على كل واحد ممن كانوا ويكونون، ولم يكن صدقه على الموجودين في المستقبل المعين. ويكون هذا أعم صدقا من أن يكون: كل واحد من الناس في المستقبل، من قول القائل: يصح له أن يكتب، وأن لا يكتب. وهننا وجه صدق آخر من جهة الحصر، وهي الجهة التي رذلناها، وهو أن قولنا: ك إنسان كاتب في كل وقت من المستقبل، غير ضروري صدقه ولا صدقه. فإنه يصح في كل وقت من المستقبل أن يصدق قولنا: كل إنسان كاتب أو أبيض، حتى يكون في ذلك الوقت كل إنسان موجود كاتبا، وأن يكون في ذلك الوقت ولا واحد من الناس بكاتبين. فأي وقت في المستقبل كان مستقبلا، يصح فيه أي الأمرين شئت.
Page 255