219

وكيف لا ويمكننا أن نلحق الضرورة بالمقدمة الموجبة فتكون النتيجة حينئذ ضرورية، فيكون حينئذ سلب الضرورة في النتيجة مأخوذا من غير الوجه المأخوذ في المقدمة الجز ئية، لأن الضرورة المأخوذة في المقدمة هي ضرورة الحمل والمادة، وسلبها في النتيجة هو سلب ضرورة السور. ولما كانت الجزئية قد تكون صادقة الضرورة وصادقة بالإمكان ولا يتمانعان، إذ بعض الأبيض ذو لون مفرق للبصر بالضرورة، وبعضه ليس بالضرورة، وهو الذي هو أبيض لا بالضرورة. ولا يبعد أن يكون قول صاحب هذا التعليم : إن النتيجة لا تكون ضرورية، معناه: أن النتيجة قد لا تكون ضرورية، أي باعتبار غير اعتبار أن النتيجة لا تكون ضرورية بحسب السور؛ بل باعتبار أنه قد يجوز أن يصدق المطلق والضروري معا في الجزئيات. فإن لم يعن هذا، قيل اقتصر على اعتبار السور، وإن عدم الضرورة هو في اعتباره. وإن كان اعتبار الحمل والمادة يوجب الضرورة، فليس هذا في الجزئي فقط؛ بل وفي الكليات أيضا. فإن ما أنتج: أن كل إنسان حيوان بالضرورة، أنتج ما قد يصير مطلقا باعتبار آخر كما قد علمت. فترى أن مشاحتنا قائلين: إن هذه تنتج ضرورية، كان على أنها لا تنتج إلا ضرورية فقط لا يصح معها مطلق. وليست تنتج مطلقة، لأنها تنتجها وحدها، وإنما بحكم أنها تنتج مطلقة إذا أنتجت مطلقة فقط. فلم لم يفعل هذا في كل موضع؟ وهلا يقتصر على أن يعلمونا تعليما كليا: أن كل جزئية ضرورية؟ فإنها قد تصح أن تكون مطلقة، فيحكم في جميع ذلك أنها مطلقات النتائج، ويكون هذا مفروغا منه، ليس إنما يعتبر هذا في اقتران بعينه، أو بحسب كونه نتيجة، بل كيف كانت، أو عسى أن لا يكون هذا كليا في كل موضع؛ بل عسى أن يكون من الأشياء ما لا يسلم إمكان بطلانه فلا يكون ما يتعلق ببطلانه داخلا في الإمكان حتى تصير القضية بسببه مطلقة. ولكن هذا لا يختص بقضية هي مقدمة أو قضية هي نتيجة، بل يكون هذا جائزا في جميع أصناف القضايا التي تصلح أن تؤخذ مقدمة في هذا القياس أو نتيجة؛ بل هذا الاختلاف متعلق بمادة الحدود لا بصورة تألفيها. وعسى أن يرتكب مرتكب فيقول: إن صدق المادة التي يصح منها هذه التأليف، يوجب أن تكون الضرورة ملزومة المطلقة. وهذا اقتراح ممعن في المحال. ومع هذا، فليت شعري إذا قلنا: كل أبيض فهو ذو لون مفرق للبصر، وكان هذا مطلقا صادقا، وقلنا: كل إنسان حيوان، وكان هذا مطلقا صادقا؛ فهل معنى الإطلاق فيهما شيء واحد، أو يفهم للإطلاق فيهما معنيان؟ فإن كان المعنى الجامع هو ما قلناه من المطلق العام، فيكون الفصل فيما بينهما أن أحدهما يختص بالضرورة، والآخر لا يختص بالضرورة، إذ ليس كل أبيض فهو ذو لون مفرق للبصر مادام ذاته موجودا. فيكون إنما أخذ في هذا الماثل نوع من المطلق الذي هو ضروري، فتكون النتيجة نوعا ما من المطلق الذي هو ضروري باعتبار، أي اعتبار الحمل. فلا يجب أن يقبل ما قيل من أنه لا يكون ضروريا لأنه مطلق، إلا أن يكون معناه لا يكون ضروري السور. ولهم أن يجعلوا المطلق الصادق وقتا ما، لا دائما، ويكون القولان مشتركين في أنهما صادقان في وقت ما، لا دائما. لكن الوقت، كقولنا: كل إنسان حيوان، وقت السور، وللآخر وقت كونه أبيض،. فوقت أحدهما الوقت الذي لم يعدم فيه الناس، ووقت الآخر الوقت الذي لم يعدم ولم يزل عنه البياض. ويكذبان جميعا في وقت، أما أحدهما فأن لا يكون الناس موجودين، وأما الآخر فأن يكون قد عدم البياض. فعلى اعتبار السور قد يستمر ما قيل.

فقد تمحلنا إذن الوجه الذي يجب أن يفهم منه عليه صدق ما قالوا تمحلا متكلفا، مع معرفتنا بأن اعتبار السور في هذه الأحكام باطل، ومع إيجابنا اعتقاد شيء وهو: أن الضرورية في المقدمة اعتبارها غير متجانس للاعتبار الذي للمطلقة في النتيجة، وأن الضروريات في المقدمة قد تصدق مطلقة، لا من جهة أن المطلق مقول عليها وأعم منها فقط، بل من جهة أنها لازمة لها باعتبار آخر بيناه. فنكون نحن حيث جعلنا نتائج هذا الاختلاط ضرورية لم نجعلها ضروريا يمنع أن يكون مطلقة، فإطلاقها لا يمنع ضروريتها. على أن الإطلاق الذي نستعمله غير هذا الإطلاق. والعم أن كطائفة من المحصلين تنبهوا لكون نتيجة هذا الضرب ضرورية، وزعموا أن هذا غلط واقع في النتيجة، وبرهنوا على أن نتيجة هذا الضرب تكون ضرورية، وبينوا ذلك بالافتراض تبيينا حقيقيا. فإن كانوا يميلون في تحقيق الضروري والمطلق ميل السور، فلا يجب أن يمنعوا كون الضروري مطلقا أيضا. وإن كانوا قد عرفوا ما هو أولى بأن يعتقد فهم على الحق، فليعتبروا ذلك أيضا في كل موضع، وليسوا يفعلون ذلك،؛ بل كثيرا ما يفزعون إليه إذا لزمهم الحق في مضيق.

وأما الشكل الأخير فالضرب الأول منه في كليتين موجبتين، والكبرى ضرورية، كقولك: كل ب ج بالإطلاق، وكل ب آ بالاضطرار، فالنتيجة بعض جض آ بالاضطرار، ويبين بعكس الصغرى.

والثاني عكس هذه في الجهة، وتكون النتيجة أيضا من الإضطرار عندهم، لأن الكبرى إذا عكست أنتجت بعض آ ج لاضطرار، ثم ينعكس بعض ج آ عندهم بالاضطرار، وليس ذلك بواجب بحسب الأمر؛ إذ ليس يجب أن يكون عكس إنسان يتنفس لا باضطرار، أي دائما مادام موجود الذات.

والثالث من كليتين، والكبرى سالبة ضرورية، كقولك: كل ج ب، وبالاضطرار لا شيء من ب آ، فبالاضطرار ليس كل ج ب. ويبين بعكس الصغرى.

والرابع أن تكون الجهة بخلاف الثالث. فيقولون: إن كانت الجهة بالخلاف كانت النتيجة مطلقة. يتبين بعكس الصغرى. والحدود المشهورة: كل فرس حي، ولا فرس بحيوان نائم أو مستيقظ مما ليس ضروريا؛ بل يكون وقتا. وهذا القول صحيح في هذا الاقتران بعد أن يتذكر أن المادة إذا اتفقت على ما سلف لك ذكرها في مطلقة كبرى تنتج ضرورية كانت النتيجة ههنا ضرورية. لكن الإطلاق العام يعم جميع ذلك. واعلم أن عندهم أن المقدمتين إذا كانتا كليتين موجبتين، فأيهما كانت اضطرارية، فالنتيجة اضطرارية. وإلا فالعبرة للسالبة.

والخامسة أن يكون التأليف من صغرى جزئية موجبة مطلقة، كبراها كلية ضرورية سالبة. فلا شك أن النتيجة ضرورية.

والسادس أن يكون الكلي الضروري صغرى، فينتج عندهم ضروريا للعكسين. وليس ذلك بواجب؛ بل ينتج مطلقة تبين بالافتراض، بأن يعين البعض من ب الذي هو بالإطلاق وليكن د، ويعمل ما علمت.

Page 250