216

وأما في تأليف هذه صفته، فيمتنع أن تكون مادة ويقع فيها: ليس شيء من ج ب لا بالاضطرار، فلا يمكن أن ينعكس الكلي السالب فيها كليا موجبا، مساعدة للسالبتين المنعكستين اللتين تصدقان معا. ثم أوردوا لهذا مثالا من الحدود، وهو أنه: لا شيء من الأبيض بحيوان، وكل إنسان حيوان، فلا شيء من الأبيض إنسان. قالوا: فيكون صادقا أنه لا شيء من الأبيض إنسان في وقت ، أي في الوقت الذي يصدق فيه أن لا شيء من الأبيض حي. وليس صدقا بالضرورة، لأنه يمكنن يكون بعض الأبيض إنسانا، وبعض الناس أبيض. فنقول: إن هذه السالبة حي من حيبث هو أبيض؛ والثاني أن يقال: إذا لم يكن ققنس، ولا ناس في بلاد الاعتدال، ولا أنواع من الحيوان التي هي دائما بيض، بل كان إنما توجد أنواع هي بالطبع غير بيض، وأشخاص من هذا النوع لها أن تكون بيضا ولكنها الآن سود. فحينئذ يصدق: أنه لا شيء من الأبيض حي، أي في ذلك الوقت. فإن فرضوا المقدمة صادقة على هذا المفهوم الثاني لزمهم أن تكون الكبرى - كما علمت أيضا - غير ضرورية. فلا يكون التأليف على ما يدعون. وأما الوجه الأول ففيه من الزيادة التي لا يجب أن يلتفت إليها ما قد علمت، وما قد قيل لك فيما سلف. وقد علمت أن بعض الأبيض حي بالضرورة، وأنه ليس سلب الحي عن الأبيض من حيث هو أبيض سلبا وجوديا حتى يصح أن يكون مرة الأبيض من حيث هو أبيض حيا، ومرة لا؛ فقد مضى لك هذا. فإن كل أبيض مسلوبا عنه - مادام ذاته موجودا - الحيوانية من حيث هو أبيض فإنه دائما مسلوب عنه الحيوان من حيث هو أبيض، لا يجوز أن يبقى ذاته موجودا ويكون من حيث هو أبيض محمولا عليه الحيوانية. فإن قال قائل: يجب أن تأخذ في اعتبارك هذا ذات الموصوف بأنه أبيض ذاتا؛ وأما قولك: إن هذه الذات مسلوب عنها الحيوانية من حيث هي أبيض دائما، كقولك: إن كذا مسلوب عنه السواد مادام أبيض، ومن حيث هو أبيض؛ وإذا كان دوام سلبك السواد من حيث هو أبيض لا يوجب أن يكون سلبا ضروريا، فكذلك دوام سلبك الحيوان هن الأبيض من حيث هو أبيض. فالجواب أن قولنا: من حيث هو أبيض، إن كان جزءا من المحمول عرض ما قلنا الآن وفيما سلف من أقاويل مضت؛ وإن كان جزءا من الموضوع، فإما أن يكون كأنك قلت الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض بشرط التجريد، أو تكون كأنك قلت الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض لا بشرط التجريد أو زيادة. فإن كان معناه الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض على أنه بشرط التجريد، فإنه لا يجوز أن يكون شيء آخر يوصف به هو غيره في المعنى؛ بل يكون هو بنفسه أمرا لا يرض له أمر آخر ولا هو يعرض لأمر آخر. فلا يكون شيء يوصف بالأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض بشرط التجريد هو إنسان أو فرس أو غير ذلك، فإنه لا يكون إنسان أو فرس أو شيء من الأشياء هو أبيض، بشرط أن لا شيء هو غير الأبيض من حيث هو أبيض. فلا يكون إذن هو عارضا لذات حتى يكون هناك معنيان: معنى الذات في نفسها، ومعنى لها مادامت موصوفا بهذا الوصف. حتى إذا كان السلب مع هذا الوصف لم يكن ضروريا مطلقا؛ بل هي نفس الذات المسلوب عنها دائما كل وقت. فإن الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض بشرط التجريد، مسلوب عنه كل شيء من الأشياء له مفهوم غير مفهومه سلبا دائما. فإذن كل سلب عنه فهو سلب دائم، ليس وفتا عنجما يكون موصوفا بما وصف به، ووقنا لا. فهذا هو الفرق، وهذا كما يقال: إن الإنسان حيوان بالضرورة. فإنه يستوي فيه مادام ذاته موجودا، ومادام موصوفا بأنه إنسان. وإما إن أخذ الأبيض ليس بشرط التجريد، بل بلا شرط حتى يكون أن يقرن به شرائط أخرى، فالسلب المذكور كاذب. فإنه كاذب أن يقال: إن الإنسان من حيث هو شيء موصوف بأنه أبيض، مسلوب عنه الحيوانية؛ بل الشيء الموصوف بأنه أبيض غير مانع من أن يوصف أنه حيوان، وصفا ضروريا، فضلا عن الوجودي، إلا من حيث يعتبر أبيض مرفوعا عنه أنه شيء أبيض، أي شيء آخر هو الموصوف بأنه أبيض.

Page 247