al-manṭiq
المنطق
كذلك لا يلتفت في السالب إلى وجود الموضوع؛ بل إلى وجود صدق السالب الكلي، وإن كان لا بد من وجود الموضوع في الموجب حتى يصدق الحصر، ولا بد من ذلك في السالب. فإنه إذا كان لا شيء من الألوان في وقت ما بياضا، ولا شيء من المتوسطات؛ بل كانت الألوان كلها سوادا، ولك يكن لون البتة، صدق أن لا شيء من الألوان في وقت مت بياض، أي في ذلك الوقت؛ لأن المعدوم لا يوصف بأنه بياض ولا بشيء من الموجبات. وإذا لم يصدق الإيجاب، صدق السلب ضرورة. فإذا راعينا ما نقوله، والتفتنا إلى وجود الصدق في الحصر، مكنا أن نعكس هذه القضية. فإن سلكوا هذه الطريقة، يكون قد كثروا على أنفسهم أصناف القضايا، وحادوا عن الطريقة المثلى، بما إذا تأملت بعض ما سلف لك وقفت عليه. فإذا كان كل كسوف قمري سوادا، وكان لا شيء من الكسوفات القمرية في وقت ما بسواد لأن الكسوفات كانت معدومة، فيكون لا شيء من كسوفات القمر في وقت ما بكسوف، وكذلك لا شيء من الناس بناس، وكذلك في كل واحد من الأمور. وليس له أن يقول: إن معناه لا شيء من كسوفات القمر في وقت ما بكسوف موجود، فإنه لم تكن كسوفات القمر من حيث أخذت حدا أكبر مأخوذة على أنها موجودة. لكن له أن يقول: إني في كل موضع إنما اعتبر في المحمولات التي في المقدمات السالبة المطلقة أن تكون موجودة في ذلك الوقت فتثبت بعد ذلك أو لا تسلب، وزلا أعتبر ذلك في الموضوعات للسلب. فسنسلم له ذلك. وإنما طولنا الترديد في هذا الباب، لنزيد المتعلم استبصارا في هذا المعنى، بكثرة الإحترازات التي يحتاج أن يراعي في ترويج هذا المذهب، بعد ما فيه من ضياع مقدمات ووجوه فاضلة، مما قد وقف عليه قبل. فنقول: أنه إذا كانت المطلقات على هذه الصفات ، أمكن أن يكون نتيجة مطلقة على هذه الصفة، ولا يبالي فيها بأن تكون القضايا في أنفسها ضرورية أو غير ضرورية؛ بل يكون الالتفات إلى الحصر، حتى إذا حقا أن بعض الألوان أسود بالضرورة، وبعض الحيوان إنسان بالضرورة، وبقي البعض من الحيوان الذي هو إنسان بالضرورة، والبعض من الألوان الذي هو أسود بالضرورة، وكان حقا أن كل حيوان حينئذ إنسان أو كل لون أسود، فكان الحمل ضروريا والمقدمة غير ضرورية. وذلك لأن صدق الحصر اتفق اتفاقا وكان لا بالضرورة؛ بل مطلقا مثل صدق قولنا: كل حيوان إنسا،. فإنه وإن كان حمل الإنسان على كل واحد من أولئك الموصوفات بأنها حيوانات ضروريا، فإن صدق الحصر ليس بضروري. فيجب أيضا أن يكون قولنا: كل حيوان متحرك بالفعل يكون بالضرورة؛ إذ يجب أن لا يلتفت إلى حال حيوان حيوان؛ بل إلى صدق القول بأن كل حيوان فإنه متحرك وقتا ما أو متنفس وقتا ما. فيكون هذا الصدق موجودا في كل زمان، فإنك في كل زمان إذا قات: إن كل حيوان موجود له الحركة، لا ما دام ذاته موجودا كما بل حينما يتحرك كما يكون صادقا. ولا يكون هذا القول في وقت من الأوقات كاذبا. نعم يكون في وقت من الأوقات ليس كل حيوان متحركا. وهذا لا يناقض ذلك. فإنه في الوقت الذي يصدق أنه ليس كل حيوان متحركا، أي في الوقت يصدق أيضا أن كل حيوان متحرك أو متنفس وقتا من الأوقات في وجوده، فإن هذا يصدق في كل وقت، وإن كان حيوان لا يتحرك في وقت، إذ هذا لم يوجب الحركة في كل وقت. ويناقض بأن لا يكون حركة في وقت. فبالحري أن تكون هذه القضية الكلية ليست مطلقة، بل ضرورية. وهم يأخذونها مطلقة، ولا يأخذونها ضرورية البتة. وكذلك قولهم: - كل متحرك متغير يجب أن لا تكون مطلقة، بل ضرورية. وقد أخذها بعضهم مطلقة. وصدق من جعل هذه كبرى في الأول مطلقة، فأنتج نتيجة مطلقة. وأيضا فماذا يقولون في قول القائل: بعض الحيوان إنسان بالضرورة، وبعض اللون سواد بالضرورة؟ هل هي ضرورية أو مطلقة؟ لكنهم معترفون بأن هذه القضية الجزئية يجب أن تكون صادقة في كل وقت، ونقيضها كاذبا في كل وقت. فنجدهم قد نسوا السور فهم غير ملتفين إلى السور. وكذلك قولنا: بالضرورة ليس كل حيوان إنسانا، فإنهم معترفون بأن هذه القضية ضرورية. يجب أن يكون جميع ذلك مطلقا إن كانت الضرورة إنما تراعي في صدق السور، لا في اعتبار الحال بين المحمول والموضوع. فإن كان الاعتبار هو السور، فصدق هذا السور ليس ضروريا. وذلك لأنهم يسلمون أنه قد يصدق وقتا آخر أن كل حيوان إنسان،، ولا شيء من الحيوان بإنسان. فيكون صدق هاتين القضيتين وجوديا من جهة سوره في كل وقت. وكذلك أيضا إذا قلنا: كل إنسان حيوان فإنهم كلهم يعترفون بأن هذه القضية ضرورية. وعلى أصلهم، فإنها لا تكون ضرورية، بل تكون لو توهمنا لا إنسان موجودا - على ما يفعلون وهو يقولون - لم يكون أحد من الناس حيوانا، على قياس قولهم: إن قولنا ليس ولا شيء من الكسوفات بكسوف، أي كسوف موجود، قول حق. وإذا كان يصح عندهم أن يكون قولنا: كل حيوان أعجم صادقا في وقت من الأوقات، حين ما لا يكون إنسان البتة بموجود، وإذ يصح سلب الحيوان عن الإنسان الذي ليس بموجود، فيصح حينئذ أن يقال: ليس أحد من الناس بحيوان. فلا يكون إذن صدق قولنا: كل إنسان حيوان، صدقا دائما، بل إنما يكون صدقا وقتا ما، فلا تكون هذه المقدمة ضرورية. فكان يجب أن يمنعوا كون هذه القضايا ضرورية، مع اعتقاد المذهب الذي لهم. وعلى أن لهم أن يقولوا: إنا لو أجبنا إلى الإطلاق، راعينا الوقت الذي نتكلم فيه. وأما في الضرورة والإمكان فيراعى شيء آخر، فيكونون قد شوشوا على نفسهم.
فهذه الأبحاث وما يشبهها صرفتنا عن الالتفات إلى هذا الرأي، وسنستقصي ما يجب أن يقال من الزيادة على ما قلناه في أبحاث اللواحق. فقد بان أن هذه القرينة تنتج ضرورية. وكذلك القول في الرابع، إذا كانت الكبرى موجبة مطلقة.
الفصل الثاني (ب) فصل في تعقب النظر في الحجج على كون النتيجة مطلقة
Page 244