209

هذا الشكل خاصيته في نظمه أن الأوسط منه محمول على الطرفين، وخاصيته في إنتاجه أن الموجبتين منه لا تنتجان؛ وذلك لأن المحمول الواحد بالإيجاب، كالجسم يحمل على متباينين كالحجر والحيوان، وعلى متفقين كالإنسان والضحاك. ولا السالبتان، لأن المحمول الواحد كالحجر قد يسلب عن متباينين كالإنسان والفرس، وعن متفقين كالإنسان والناطق. ولا عن جزئيتين، فإن المحول الواحد يوجب لبعض الأمر الواحد وسلب عن بعضه، وقد يوجب ويسلب عن بعض أمرلاين مختلفين. ولا إذا كانت الكبرى جزئية، فإنه إذا حكم على " كل شيء ما " ، ثم حكم على " بعض الأخر " ، لا بخلاف ذلك، جاز أن يكون الشيء محمولا على ذلك الكل، لكنه أعم منه، فيوجب عليه وإن كان بعضه لا يوجب عليه، وجاز أن يكون مباينا له بكليته لا يحمل عليه. فهذه خاصيته في الإنتاج. وإنما كان شكلا ثانيا، وأخر عنه الشكل الباقي من الأشكال، لأنه ينتج ما هو أنفع وهو الكلي، وذلك الباقي لا ينتج إلا الجزئي، وإن كان ينتج الموجب، وهذا لا ينتج إلا السالب. فإن السالب الكلي أنفع من الجزئي الموجب، أي في العلوم؛ ولأنه إنما يحدث منه الأول بعكس الكبرى منه، وما الباقي فيحدث بعكس الصغرى، فقرابته من الأول في أشر ف المقدمتين. والأشياء الاختيارية التي لا وجوب فيها وإنما يدعو إليها الاستحسان والأخذ بالأولى، فإنها لا تجاوز بعللها المبلغ الذي وصلنا إليه. ومع ذلك فإنا نريد أن نصرح بما يرفع الحق عن وجوهنا قناع الحياء فيه، وهو أنه إذا كانت هذه السالبة الكلية المطلقة على حسب ما يفهم من السلب الكلي المطلق فهما بحسب الأمر في نفسه سواء كانت بالمعنى العام أو بالمعنى الخاص، فإنه لا يأتلف منها في هذا الشكل قياس. وذلك لأن السالبة الكلية المطلقة والموجبة الكلية المطلقة، قد تصدقان معا على شيء واحد. وقد أوردت له أمثلة في التعليم الأول. فإن كل إنسان نائم وكل إنسان ليس بنائم قد تصدقان، لأن كل إنسان نائم وكل إنسان ليس بنائم وقتا ما. وبالجملة إذا كان محمول يحمل على كل واحد لا دائما؛ بل وقتا ما، فهو أيضا يسلب عن كل واحد لا دائما، بل وقتا مات. وكذلك إن كان حمله حملا يجوز أن يكون لا دائما وإن لم يوجبه؛ فيجب أن يعلم أذن أنه ليس يجب أن ينعقد من السالب المطلق والموجب المطلق قياس في هذا الشكل، اللهم إلا أن يستعمل السالب الكلي على اللفظ المشهور الذي بينا أنه ينعكس، أو تستعمل المطلقة التي إطلاقها لا للحمل بل للحصر؛ إذ يصدق الحصر كليا في بعض الأزمنة، أو يستعمل في القضيتين ما يتعذر مراعاته، وهو جعل الوقت في كل واحد وقتا واحدا إن أمكن، وشرطا واحدا إن أمكن.

لكن المطلقة باعتبار القول نفسه، مما لم تجر العادة بأن تستعمل في العلوم وفي المخاطبات، بل جرت العادة بأن يستعمل السالب في كل موضع وينوى الشرط الذي ذكرناه. وكذلك قد جرت العادة في قولهم كل ب آ، أنه إنما يستعمل ذلك على نية أنم كل ب آ، عندما يكون ب، فيبج أن يلتفت إلى هذين في هذا الشكل وما بعده. فلمستعمل نحن السالبة على النحو المشهور، فإن ذلك أجمع للغرض، فنقول: يجب في شرط إنتاج هذا الشكل أن تكون إحدى المقدمتين موجبة، والأخرى سالبة وأن تكون الكبرى كليبة. ولنذكر الضروب المنتجة فقط:

الضرب الأول:

من كليتين والكبرى سالبة ينتج كلية سالبة، مثاله: كل ج ب، ولا شيء من آ ب، فلا شيء من ج آ. برهانه أنا نعكس الكبرى فيصير لا شيء من ب آ، فيكون كل ج ب ولا شيء من ب آ، فلا شيء من ج آ. وقد نبينه من طريق الخلف فنقول: إنه إذا كان قولنا هذا كاذبا، فليكن بعض ج آ وكان لا شيء من آ ب، ينتج من الشكل الأول: ليس كل ج ب، وكان كل ج ب، هذا خلف. ولقائل أن يقول: إن هذا ليس خلفا محالا، فإن المطلقات لا يكذب فبها أن يقال كل وليس كل، فإنه يجوز أن يكون كل ويعنى به في كل واحد وقتا ما، ولا كل ويعنى في كل واحد وقتا آخر، وليس هذا بخلف. فالجواب أنا قد قدمنا أن الذي نذهب إليه ههنا في استعمالنا للمطلقات، ما كان منها بمعنى لا شيء من آ ب مادام آ، وكذلك قولنا: كل ج ب فإنما يعنى به كل ج ب مادام ج، فتكون النتيجة لا شيء من ج آ مادام ج .

المقالة الثالثة من الفن الرابع من الجملة الأولى في المنطق

الفصل الأول (ا)فصل في القياسات المختلطة من الإطلاق والضرورة

Page 239