223

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

فصل في العناية وبيان كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي.

وخليق بنا إذا بلغنا هذا المبلغ، أن نحقق القول في العناية، ولا شك أنه قد أتضح لك مما سلف منا بيانه أن العلل العالية لا يجوز أن تكون تعمل ما تعمل لأجلنا، أو تكون الجملة يهمها شيء ويدعوها داع ويعرض لها إيثار. ولا لك سبيل إلى أن تنكر الآثار العجيبة في تكون العالم، وأجزاء السماوات، وأجزاء الحيوان والنبات؛ مما لا يصدر ذلك اتفاقا، بل يقتضي تدبيرا ما، فيجب أن يعلم أن العناية هي كون الأول عالما بذاته لما عليه الوجود في نظام الخير، وعلة لذاته للخير و الكمال بحسب الإمكان، وراضيا به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوه الأبلغ في الإمكان فيفيض عنه ما يعقله نظاما وخيرا على الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضانا على أتم تأدية إلى النظام، بحسب الإمكان، فهذا هو معنى العناية. واعلم أن الشر يقال على وجوه: فيقال شر، لمثل النقص الذي هو الجهل والضعف والتشويه في الخلقة؛ ويقال: شر، لما هو مثل الألم والغم الذي يكون إدراك ما بسبب لا فقد سبب فقط. فإن السبب المنافي للخير المانع للخير، والموجب لعدمه، ربما كان مباينا لا يدركه المضرور؛ كالسحاب إذا ظل فمنع شروق الشمس عن المحتاج إلى أن يستكمل بالشمس. فإن كان هذا المحتاج داركا، أدرك أنه غير منتفع ولم يدرك من حيث يدرك ذلك أن السحاب قد حال، بل من حيث هو مبصر وليس هو من حيث هو مبصر متأذيا بذلك، متضررا أو متناقصا من حيث هو شيء آخر، وربما كان مواصلا يدركه مدرك عدم السلامة كمن يتألم بفقدان اتصال عضو بحرارة ممزقة، فأنه من حيث يدرك فقدان الاتصال بقوة في نفس ذلك العضو، يدرك المؤذي الحار أيضا فيكون قد أجتمع هناك إدراكان: إدراك على نحو ما سلف من إدراكنا للأشياء العدمية، وإدراك على ما نحو سلف من إدراكنا الأمور الوجودية وهذا المدرك الوجودي ليس شرا في نفسه بل بالقياس إلى هذا الشيء. وأما عدم كماله وسلامته فليس شرا بالقياس إليه فقط، حتى يكون له وجود ليس هو به شرا، بل وليس نفس وجوده إلا شرا فيه، وعلى نحو كونه شرا، فإن العمى لا يجوز إلا أن يكون في العين، ومن حيث هو في العين لا يجوز أن يكون إلا شرا، وليس لهو جهة أخرى حتى يكون بها غير شر. وأما الحرارة مثلا إذا صارت شرا بالقياس إلى المتألم بها، فلها جهة أخرى تكون بها غير شر؛ فالشر بالذات وهو العدم ولا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه وطباعته، والشر بالعرض هو المعدوم، أو الحابس للكمال عن

Page 222