210

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

ويكون ذلك القصد في اختيار الجهة، فيمكن أن يحدث ذلك ويعرض في نفس الحركة حتى يقول قائل: إن السكون كان يتم لها به خيرية تخصها والحركة كانت لا تضرها في الوجود وتنفع غيرها، ولم يكن أحدهما أسهل عليها من الأخر أو أعسر فاختارت الأنفع. فإن كانت العلة المانعة عن القول بأن مصير حركاتها لنفع الغير، استحالة قصدها فعلا لأجل الغير من المعلولات، فهذه العلة موجودة في نفس قصد اختيار الجهة. وإن لم يمنع هذه العلة قصد اختيار الجهة، لم يمنع قصد الحركة وكذلك الحال في قصد السرعة والبطء هذه الحال، وليس ذلك على ترتيب القوة والضعف في الأفلاك بسبب ترتيبها بعضها على بعض في العلو والسفل حتى ينسب إليه، بل ذلك مختلف. ونقول بالجملة: لا يجوز أن يكون منها شيء لأجل الكائنات؛ لا قصد حركة؛ ولا قصد جهة من حركة، ولا تقدير سرعة وبطء، بل ولا قصد فعل ألبتة لأجلها، وذلك لأن كل قصد فيكون من أجل المقصود، فيكون أنقص وجودا من المقصود؛ لأن كل ما لأجله شيء آخر فهو أتم وجودا" من الآخر من حيث هو والآخر على ما هما عليه، بل به يتم للآخر النحو من الوجود الداعي إلى القصد. ولا يجوز أن يستفاد الوجود الأكمل من الشيء الأخس، فلا يكون ألبتة إلى معلول قصد صادق غير مضمون، وإلا كان القصد معطيا" ومفيدا" لوجود ما هو أكمل وجودا" منه. وإنما يقصد بالواجب شيء يكون القصد مهيئا" له ومفيد وجوده شيء آخر: مثل الطبيب للصحة، فالطبيب لا يعطي الصحة بل يهيء لها المادة والآلة؛ وإنما يفيد الصحة مبدأ أجل من الطبيب، وهو الذي يعطي المادة جميع صورها، وذاته أشرف من المادة. وربما كان القاصد مخطئا" في قصده إذا قصد ما ليس أشرف من القصد، فلا يكون القصد لأجله في الطبع بل بالخطأ؛ ولأن هذا البيان يحتاج إلى تطويل وتحقيق، وفيه شكوك لا تحل إلا بالكلام المشبع، فلنعدل إلى الطريق الأوضح فنقول: إن كل قصد فله مقصود، والعقلى منه هو الذي يكون وجود المقصود عن القاصد أولى بالقاصد من لا وجود عنه، وإلا فهو هدر. والشيء الذي هو أولى بالشيء فإنه يفيد كمالا ما؛ إن كان بالحقيقة فحقيقيا"، وإن كان بالظن فظنيا": مثل استحقاق المدح وظهور القدرة وبقاء الذكر، فهذه وما أشبهها كمالات ظنية. أو الربح، أو السلامة، أو رضى الله تعالى وتقدس وحسن معاد الآخرة، وهذه وما أشبهها كمالات حقيقية لا تتم بالقاصد وحده. فإذن، كل قصد ليس عبثا"فإنه يفيد كمالا ما لقاصده لو لم يقصده لم يكن ذلك الكمال؛ والعبث أيضا" يشبه أن يكون كذلك، فإن فيه لذة أو راحة أو غير ذلك أو شيئا" مما علمت أو سائر ما تبين لك.

Page 209