296

Durūs al-Shaykh ʿAbd al-Ḥayy Yūsuf

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

أقوال العلماء في تحديد ليلة القدر وتعيينها
قال الإمام القرطبي ﵀: أكثر أهل العلم على أنها ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه من حديث زر بن حبيش ﵀ قال: قلت لـ أبي بن كعب: (إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر) أي: من يقوم الليل خلال السنة كلها يصيب ليلة القدر، (فقال أبي بن كعب: يرحم الله أبا عبد الرحمن! والله إنه ليعلم أي ليلة هي، ولكن أراد ألا تتكلوا -يعني: ابن مسعود يعرف أنها ليلة سبع وعشرين، لكن أراد من الناس أن يقوموا السنة كلها لا ليلة سبع وعشرين فقط- والله الذي لا إله غيره إنها ليلة سبع وعشرين، قلت له: بأي شيء تقوله؟ فقال: بالعلامة التي قالها رسول الله ﷺ: إن الشمس تخرج في صبيحتها ولا شعاع لها) يعني: تخرج باهتة، هذه رواية.
وأيضًا الرواية الأخرى: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للصحابة ﵃: ترى أي ليلة هي ليلة القدر؟ فقال عبد الله بن عباس: إن عندي منها علمًا.
فقد كان عبد الله بن عباس جريئًا ﵁ جرأة العالم الواثق، حتى كان يقول في قول الله ﷿: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢] كان يقول: أنا من ذلك القليل.
وحق له ﵁.
قال لـ عمر: وما ذاك؟ قال له: هي لسبعة تبقى أو لسبعة تمضي-أي: إما ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة سبع وعشرين- قال له: بأي شيء قلت هذا؟ قال له: خلق الله السماوات سبعًا، والأرضين سبعًا، والأيام سبعًا، والشهر يدور على سبع، والإنسان خلق من سبع، وطعامهم من سبع، كما قال الله ﷿: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس:٢٤ - ٢٨] إلى آخر الآيات، فـ عمر ﵁ قال له: فطنت لما غفلنا عنه).
وهنا يرجح ابن عباس أن ليلة القدر إما ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين.
وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأواسط من رمضان، قال: فخرج علينا ليلة عشرين، صلوات ربي وسلامه عليه، فقال: أيها الناس! من كان ملتمسًا ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر، وإني أريت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين، يقول أبو سعيد: وما في السماء قزعة، فهطلت السماء بالمطر، وكان سقف المسجد من جريد النخل، فصلى بنا رسول الله ﷺ وما انفتل من صلاته حتى رأيت أثر الطين والماء في جبهته وأنفه ﵊، وكانت ليلة إحدى وعشرين).
والذي عليه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وكثير من أهل العلم أنها متنقلة، وليست ثابتة، وقوله ﷺ: (أريت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين) يعني: في تلك السنة.
وقول أبي بن كعب ﵁: (إنها ليلة سبع وعشرين) يحمل ذلك على الغالب، لكن ليس على أنها في ليلة سبع وعشرين لا تتخلف عنها.
ولذلك جاء في الحديث: (أنها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى، في ثالثة تبقى، في واحدة تبقى) هذه الخمس ليالي الوتر، هي أكثر مظنة لالتماس ليلة القدر فيها.
أما ما قاله بعض العلماء: إنها في ليلة سبع وعشرين؛ لأن قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر:٥] رقم سبع وعشرين، فهذا لا يعول عليه كثيرًا، وكذلك من قالوا: بأن ليلة القدر من تسعة أحرف، وتكررت ثلاث مرات في السورة، فحاصل ضرب التسعة في الثلاثة يساوي سبعة وعشرين، كل هذا كما قال ابن عطية: من ملح التفسير، وليس من متين العلم.

21 / 10