293

Durūs al-Shaykh ʿAbd al-Ḥayy Yūsuf

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

تفسير قوله تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر)
قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣].
يقول العلامة الشيخ عطية ﵀: تنزيل القرآن بالليل، وجعل كتابة الأقدار بالليل دليل على أن لليل خاصية ومزية؛ ولذلك قال الله ﷿ في القرآن: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٤٠]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان:٢٦]، وقال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
ثم قال: دل ذلك على أن الليل هو وقت التجليات، ونزول الرحمة، ونزول الفيوضات؛ لسكونه وهدأته، وسكون الأصوات والحركات فيه؛ ولذلك فإن الموفقين من عباد الله يلتمسون الخير في الليل.
لقد كرر الله ﷿ هذه الكلمة ثلاث مرات حيث قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١ - ٢]، وكان من الممكن أن يقول سبحانه: هي خير من ألف شهر، لكن الله ﷿ كرر وقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] قال المفسرون: إن الإظهار في مقام الإضمار يكون للتفخيم والتعظيم وهو مزيد من العناية والاهتمام، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٨] فكرر كلمة الكتاب ثلاث مرات.
قال أهل التفسير ومنهم مجاهد بن جبر ﵀: (ذكر رسول الله ﷺ رجلًا من بني إسرائيل، لبس السلاح في سبيل الله ثمانين سنة ما عصى الله طرفة عين، فقال الصحابة: ومن يطيقه يا رسول الله؟ فأنزل الله ﷿ هذه السورة فيها عطية لأمة محمد ﷺ.
فمن وفق لعبادة الله ﷿ في هذه الليلة، فهو خير ممن عبد الله ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وألف شهر تعدل ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر؛ ولذلك رسول الله ﷺ يبشر أصحابه ويقول لهم: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، افترض الله عليكم صيامه، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم).
وبعض المفسرين قالوا: ليس المقصود الألف وإنما المقصود التكثير، كما في قول العرب: فلان بألف رجل، يعنون: أنه عالي الهمة، عظيم القدر، ومنه قول الله ﷿: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦] وليس المقصود الألف، وإنما المقصود طول العمر، فهنا قالوا: المقصود تفخيم هذه الليلة، وليس المقصود أنها تعدل بالضبط ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر.

21 / 7