286

Durūs al-Shaykh ʿAbd al-Ḥayy Yūsuf

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

تفسير قوله تعالى: (فليد نادية)
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٧ - ١٨] كان أبو جهل يخاف من الرسول ﷺ خوفًا شديدًا، وهذه من عجائب صنع الله، مثل ما صنع الله لموسى، قالوا: كان فرعون إذا رأى موسى أحدث، مع أنه كان يتكبر ويقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢].
ومما يدل على خوف أبي جهل من الرسول ﷺ ما جاء في الحديث: (أن رجلًا من بني إراش باع إبلًا من أبي جهل فماطله أبو جهل ولم يدفع له قيمة إبله، فذهب عند الكعبة، فوجد جماعة من قريش فقال: يا قوم من ينصفني من أبي الحكم؟ فقالوا وهم يسخرون منه: ذاك الرجل من بني عبد المطلب يعنون الرسول ﷺ، سيستخرج حقك من أبي الحكم، فذهب الرجل إلى الرسول ﷺ وقال له: يا أخا العرب أتنصفني من أبي الحكم؟ قال: وما ذاك، قال: بعته إبلًا فأبى أن يعطيني الثمن، ودلني القوم عليك، فالرسول ﷺ قال: قم بنا إليه، فمشى ﷺ وضرب على أبي جهل بابه، قال: من؟ قال: محمد، فخرج عدو الله ممتقع اللون، فقال له ﷺ: أعط هذا الرجل حقه، قال: أفعل يا أبا القاسم، فرجع الرجل للملأ من قريش وقال لهم: جزاكم الله خيرًا، قالوا: وما ذاك؟ قال: أعطاني الثمن.
فلما جاء أبو جهل قالوا: كيف ذلك يا أبا الحكم؟ قال: والله ما إن ضرب علي محمد بابي فخرجت إليه حتى رأيت فوق رأسه فحلًا لو تأخرت لطحنني بين أنيابه).
فهو ﵊ لم يكن معه حرس ولا حشم، وإنما ألقى الله عليه المهابة والجلالة والفخامة صلوات الله وسلامه عليه.
وجاء في حديث آخر: (أن عدو الله أبا جهل جاء إلى الرسول ﷺ وقال له: ألم أنهك؟ فالرسول ﷺ زجره ونهره وطرده، فقال له: يا محمد لا ترفع علي صوتك، فإن قريشًا تعلم أنه لا أحد أكثر ناديًا مني -يعني: أنا أكثر حاشية وجماعة- فقال الله ﷿: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾ [العلق:١٧]) أي: فليأت بناديه وجماعته وحاشيته.
قال تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨]، قال ابن عاشور ﵀: وهذه من معجزات القرآن، ف أبو جهل سمع الآية وسمعها الملأ من قريش وما جرؤ واحد منهم على أن يقول: أنا قبلت التحدي، وإلا لتخطفتهم الملائكة واحدًا واحدًا.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، الزبانية: جمع زبني أو زبنية أو زباني، والمقصود خزنة جهنم.
قال تعالى: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] أي: لا تلتفت إلى هذا الخبيث، كما قال في آية أخرى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠].
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤].
أي: لا تطعه واسجد واقترب، قال رسول الله ﷺ، كما في مسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم).
وثبت في صحيح مسلم أيضًا: (أن رسول الله ﷺ سجد في هذه السورة وسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]) نسأل الله أن يجعلنا من الساجدين.

20 / 22