254

Durūs al-Shaykh ʿAbd al-Ḥayy Yūsuf

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

منن الله على نبيه ﷺ
المنة الأولى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦]، أي: يا محمد! قد علم ربك أنك يتيم لا أب لك ولا أم، ومع ذلك آواك ربك، وسخر لك من يكفلك ويرعاك ويقوم على شأنك.
وقد سئل جعفر الصادق ﵀: لم يتم رسول الله ﷺ من أبيه وأمه؟ أبوه مات وهو في بطن أمه، وأمه ماتت لما بلغ السادسة.
قال: لئلا تكون لمخلوق عليه منة، وتبقى المنة لله وحده.
وقال مجاهد بن جبر ﵀: اليتيم هاهنا من قول العرب: درة يتيمة، إذا لم يكن هناك مثلها.
المنة الثانية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، الضلال هنا قال بعض أهل التفسير: هو عدم معرفة تفاصيل الشريعة.
وقال الرازي ﵀: أجمع أهل العلم على أن رسول الله ﷺ ما أشرك بالله قط، وحاشاه ﵊.
فالضلال هنا مستبعد فيه معنى الشرك والكفر والفسق، وهذا كله قد برئ منه رسول الله ﷺ، فالضلال هاهنا معناه: عدم معرفة تفاصيل الشريعة، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى:٥٢]، فالرسول ﷺ ما كان يدري، وهذا هو معنى الضلال في الآية.
وقال بعضهم: ووجدك ضالًا، أي: وجدك محبًا للهداية فهداك.
وقال بعضهم: الضلال هنا بمعنى: المحبة، وأنشدوا في ذلك قول كثير عزة: هذا الضلال أشاب مني المفرقا والعارضين ولم أكن متحققا عجبًا لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا بعد الضلال أي: بعد المحبة، لكن لعل هذا المعنى -والله أعلم- بعيد، فالضلال هاهنا معناه الحيرة.
المنة الثالثة: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] أي: وجدك عائلًا فقيرًا عديمًا ما عندك شيء، وتقول العرب: فلان عائل، وكما في قول جرير: الله أنزل في الكتاب فريضة لابن السبيل وللفقير العائل فالعائل بمعنى: الفقير المعدم.
فالله ﷿ أغنى نبيه محمدًا ﷺ، وحتى قد مكنه من مفاتيح خزائن الأرض، فكان ﵊ تأتيه الغنائم والأنفال كأمثال الجبال، ومن الغنى الذي سكن قلبه لا تغرب عليه الشمس إلا وقد وزعها جميعًا، ولا يصطفي لنفسه شيئًا ﵊.
وقد نظر بعض الأعراب إلى إبل في واد وهو مذهول من كثرتها، فقال له النبي ﷺ: أتعجبك؟ قال: نعم.
قال: فهي لك كلها، فالرجل رجع إلى قومه أشبه بالمجنون، وقال لقومه: يا قوم! أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أي: ليس عطاء معتادًا.
فالله ﷿ امتن عليه بهذه المنن الثلاث: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨].
وهنا طرح الرازي ﵀ سؤالًا فقال: أما ذم الله فرعون لما قال لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء:١٨]، أي: أن فرعون اللئيم يمتن على موسى الكليم بهذا: كنت تأكل من طعامنا وتشرب من مائنا، والله ﷿ هنا يمتن على محمد ﷺ.
وحقيقة أن سؤال الرازي ﵀ هذا عجيب، فالله ﷿ لا يسأل عما يفعل.
لكن على كل حال هو طرح هذا السؤال وأجاب بقوله: شتان شتان بين مآن هو الله، ومآن هو فرعون، قال: ثم عاقبة المن مختلفة، ففرعون يقول: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء:١٨]، ومعنى كلامه: فما بالك لا تعبدني ولا تخدمني، والله ﷿ يقول لمحمد ﷺ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨] فما بالك تقطع عني رجاءك ليستمر رجاؤك لسبق نعمي عليك.

19 / 25