Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
والحاصل أن كون الوجوب أثرا للعلة التامة التي هي جملة ما يتوقف عليه وجود الممكن ينافي سبقه على الوجود بمعنى احتياج الوجود إليه ضرورة امتناع كون الشيء أثر الشيء، وجزءا منه، وقد ثبت الأول فينتفي الثاني، والجواب أن المراد السبق لاحتياج إليه في نفس الأمر بمعنى أن العقل يحكم عند ملاحظة هذه الأمور بأن الممكن ما لم يجب لم يوجد؛ لما مر فالوجوب أيضا مما يحتاج إليه وجود الممكن لكنهم حين قالوا يجب وجود الممكن عند تحقق العلة التامة أرادوا بها جميع ما يتوقف عليه الممكن سوى الواجب بناء على أنه اعتبار عقلي، وهو تأكيد الوجود حتى كأنه هو هو فلم يجعلوه من أجزاء العلة التامة فإن أبيتم هذا الإطلاق، وزعمتم أن ما سوى الوجوب علة ناقصة؛ لأنها بعض ما يحتاج إليه وجود الممكن فنقول: إن أردتم بقولكم لا يجب الوجود مع العلة الناقصة السلب الجزئي فهو لا يضرنا، وإن أردتم السلب الكلي بمعنى أنه لا يجب مع شيء من العلل الناقصة فهو ممنوع فإن من العلل الناقصة ما إذا تحققت تحقق الوجوب، وهي جملة ما يتوقف عليه وجود الممكن سوى الوجوب فالوجوب أثر لها متأخر عنها بالذات، وسابق على الوجوب "المقدمة الثالثة" لما ثبت أنه لا بد لوجود كل ممكن من شيء يجب عنده وجود ذلك الممكن يلزم أنه لا بد أن يدخل في جملة ما يجب عنده وجود الحادث أمور لا موجودة في الخارج، ولا معدومة كالأمور الإضافية، وهو القول بالحال، وذلك؛ لأن جملة ما يجب عنده وجود زيد الحادث لا يكون تمامها قديما؛ لأن القديم إن أوجبه في وقت معين فحدوثه يتوقف على حصول ذلك الوقت فلا يكون تمام ما يجب عنده قديما، وإن أوجبه لا في وقت معين فحدوثه في وقت معين رجحان من غير مرجح فيكون بعضها حادثة فحينئذ إن لم يدخل في تلك الجملة أمور لا موجودة، ولا معدومة فهي، إما موجودات محضة، وهي مستندة
...................................................................... ..........................
بالذات بمعنى الاحتياج إليه، ولا فساد في ذلك.
قوله: "مع العلة الناقصة" أو التامة أراد المعية الزمانية، وإلا فالمعلول يتأخر عن العلة بالذات لا محالة.
قوله: "ثم العقل" كأنه تنبيه على منشأ الغلط في سبق الوجوب على الوجود، وذلك أنهما معا معلولا علة واحدة هي المؤثر التام فلا يمكن تحقق بأحدهما بدون الآخر بمنزلة وجود النهار، وإضاءة العالم المعلولين لطلوع الشمس فللعقل أن يعتبرهما معا نظرا إلى ترتبهما على العلة من غير تقدم أحدهما على الآخر، وأن يعتبر أحدهما متأخرا عن الآخر من حيث إنه محتاج إلى الآخر، ومتقدما عليه من حيث إن الآخر محتاج إليه كالإخوة مثلا فإن أخوة زيد مقارنة لأخوة عمرو، ومتأخرة عنها، ومتقدمة عليها لكن بحسب اعتبارات مختلفة، وهذا الذي يقال: له دور المعية فمن نظر إلى احتياج الوجود إلى الوجوب جزم بأنه سابق على الوجود، ولم يلاحظ مقارنتهما بالذات، وتأخر الوجوب أيضا باعتبار الاحتياج إلى الوجود وقد نبهناك على أن الوجود يتوقف على ما لا يتوقف عليه الوجوب، وهو نفس الوجوب فلا يكونان معلولي علة واحدة هي العلة التامة بل العلة المؤثرة، وهذا لا يوجب مقارنتهما، ولا ينافي تقدم أحدهما بمعنى احتياج الآخر إليه، وأيضا لا خفاء في أنه يصح أن يقال: وجب صدوره فوجد دون أن يقال: وجد فوجب صدوره إن توقف المعية لا يقتضي السبق كما بين وجود النهار، وإضاءة العالم، وأن الوجوب، والوجود على تقدير كونهما معلولي علة واحدة لا يجب أن يكونا مضافين اللهم إلا أن يعتبر وصف المقارنة، وهو ليس بلازم.
Page 337