Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
الحسن لمعنى في غيره
...
وأما الثاني: فذلك الغير إما منفصل عن هذا المأمور به كالسعي إلى الجمعة حسن لأداء الجمعة فالوضوء حسن للصلاة وليس قربة مقصودة حيث يسقط بسقوطها فلا يحتاج في كونه وسيلة لها إلى النية، وإما قائم بهذا المأمور به كالجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى وصلاة الجنازة لقضاء حق الميت حتى إن أسلم الكفار
فيه لقبح التكليف عقلا وعن الرابع بأنه إذا كان ما يجب الفعل عنده من الله تعالى بطل استقلال العبد به فقبح التكليف عندكم كما إذا كان موجد الفعل هو الله تعالى فلهذا قال المصنف رحمه الله تعالى إنهم لم يوردوا على مقدماته منعا يعتد به، وأنه قد خفي منشأ الغلط في هذا الدليل على كلا الفريقين أعني الذين يعتقدونه يقينيا، والذين لا يعتقدونه يقينيا والمصنف رحمه الله تعالى أورد المنع على المقدمة القائلة بأنه إن توقف على مرجح يجب وجود الفعل عند وجود المرجح إن أريد بالفعل الحالة الحاصلة بالإيقاع كما للمتحرك في كل جزء من أجزاء المسافة، وعلى المقدمة القائلة بأنه إذا وجب عند وجود المرجح لا يكون اختياريا إن أريد بالفعل نفس الإيقاع، وبنى تحقيق ذلك على أربع مقدمات.
قوله: "المقدمة الأولى" إن كثيرا من المصادر مما يحصل به للفاعل معنى ثابت قائم به كما إذا قام فحصل هيئة هي القيام أو تسخن فحصل له صفة هي الحرارة أو تحرك فحصل له حالة هي الحركة فلفظ الفعل، وكثير من صيغ المصادر قد يطلق على نفس إيقاع الفاعل ذلك الأمر، وهو المعنى المصدري، ويسمى تأثيرا كإحداث الحركة، وإيجادها في ذات الموقع، والمحدث فإنه تحرك لا كإيقاع الحركة في جسم آخر حتى يكون تحريكا، وكإيقاع القيام أو القعود في ذاته، وقد يطلق على الوصف الحاصل للفاعل بذلك الإيقاع، وهو المعنى الحاصل من المصدر، ويكون وصفا كالقيام أو كيفية كالحرارة أو غير ذلك كالحالة التي تكون للمحرك ما دام متوسطا بين المبدأ، والمنتهى، والأول حقيقة معنى المصدر، وهو الجزء من مفهوم الفعل الاصطلاحي، وهو أمر اعتباري لا وجود له في الخارج لوجوه ثلاثة:
الأول: أنه لو كان موجودا لكان له موقع فيكون له إيقاع، وهكذا إلى غير النهاية، وكل إيقاع معلول لإيقاعه. والتقدير أن الإيقاعات أمور موجودة فيلزم التسلسل في جانب المبدأ أي العلة في أمور موجودة في الخارج على ما هو المفروض لا في أمور اعتبارية حتى ينقطع بانقطاع الاعتبار أو يكون إيقاع الإيقاع بين الإيقاع كما في لزوم اللزوم، وإمكان الإمكان، وإنما قال: في المبدأ؛ لأن استحالة التسلسل في جانب العلة مما قام عليه البرهان، ووقع عليه الاتفاق بخلاف جانب المعلول فإنه لا برهان عليه، وبرهان التطبيق ليس بتام على ما عرف في علم الكلام.
الثاني: أنه يلزم عند إيجاد الفاعل شيئا أن يوجد أمور متحققة غير متناهية هي الإيقاعات المترتبة، وبديهة العقل قاطعة باستحالة ذلك، ولا يخفى أنه يلزم لو كان إيقاع الإيقاع أيضا فعله أما لو أوجد شيئا بإيقاعه، وكان إيقاعه بإيقاع فاعل آخر كالباري تعالى فلا يلزم ذلك، وإذا انتهى إلى إيقاع قديم كالوصف الذي يسمى تكوينا لم يلزم التسلسل أيضا.
Page 332