328

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

قوله: "وعند المعتزلة" لكل من الحسن، والقبح تفسيران: أحدهما الحسن ما يحمد على فعله شرعا أو عقلا، والقبح ما يذم عليه، وثانيهما الحسن ما يكون للقادر العالم بحاله أن يفعله، والقبيح ما ليس للقادر العالم بحاله أن يفعله، واحترزوا بالقادر أي الذي إن شاء فعل، وإن شاء ترك عن المضطر، وبالعالم عن المجنون؛ لأن ما لهما أن يفعلاه قد لا يكون حسنا بل قبيحا فلو لم يقيد لانتقض التعريفان جمعا ومنعا، والحسن بالتفسير الثاني أعم لتناوله المباح أيضا بخلاف الأول، فإنه يقتصر على الواجب، والمندوب إذ لا مدح على المباح، ولا ذم كالتنفس مثلا فهو واسطة بين الحسن، وعندنا: الحاكم بهما هو الله تعالى، والعقل آلة للعلم بهما فيخلق الله العلم عقيب نظر العقل نظرا صحيحا.

الفعل حسن شرعا أو قبيح شرعا، وإن عني أن العرض لا يقوم بعرض آخر بل لا بد من جوهر يقوم به العرضان فالقيام بهذا المعنى غير لازم على تقدير كون الحسن، والقبح لذات الفعل أو لصفة له إذ لا بد من فاعل يقوم الفعل الحسن به، وإن عني به معنى آخر فلا بد من بيانه لنتكلم عليه.

وأما الثاني فقوله: "ولأن فاعل القبيح إن لم يتمكن من تركه ففعله اضطراري، وإن تمكن فإن لم يتوقف على مرجح كان اتفاقيا، وإن توقف يجب عنده؛ لأنا فرضناه مرجحا تاما، ولئلا يترجح المرجوح، ولا يكون المرجح باختياره لئلا يتسلسل فيكون اضطراريا، والاضطراري، والاتفاقي لا يوصفان بهما اتفاقا" تقريره أن فاعل القبيح لا يخلو: إما أن يكون متمكنا من تركه أو لا فإن لم يكن متمكنا من تركه ففعله اضطراري؛ لأن التمكن من الفعل مع عدم التمكن من الترك لا

...................................................................... ..........................

والقبيح بالتفسير الأول على التفسير الثاني لا واسطة لأن الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والقبيح يشمل الحرام، والمكروه كما يشملهما بالتفسير الأول فالقبيح بكلا التفسيرين لا يشمل إلا الحرام، والمكروه فيكون التفسيران متساويين، وهاهنا بحثان: الأول: أن الفعل الغير المقدور الذي لا يعلم حاله مما لا يصدق عليه أن للقادر العالم بحاله أن يفعله أو لا يفعله فيكون واسطة بالتفسير الثاني، ويمكن الجواب بأنه داخل في القبيح إذ ليس للقادر العالم بحاله أن يفعله بناء على عدم القدرة عليه أو العلم بحاله الثاني: أن المكروه عندهم يمدح على تركه، ولا يذم على فعله فلا يدخل في القبيح بل يكون واسطة بمنزلة المباح، وإنما يفترقان من جهة أنه يمدح تاركه بخلاف المباح، ويمكن الجواب بأن المراد به هو المكروه كراهة التحريم فإنه قبيح بالتفسيرين، وأما المكروه كراهة التنزيه فيجوز أن يكون واسطة، وإن لم يتعرض له المصنف رحمه الله تعالى، ولقائل أن يقول: إن أريد بما له أن يفعله أو لا يفعله ما يجوز له أن يفعله، وما لا يجوز فالمكروه كراهة التنزيه داخل في الحسن، وهو بعيد، وإن أريد من شأن القادر العالم بحاله أن يفعله، وينبغي له ذلك، وما ليس من شأنه ذلك، ولا ينبغي له حتى يدخل المكروه كراهة التنزيه في القبيح بناء على أن من شأن العاقل أن لا يفعل ما يستحق بتركه المدح لم يكن كلا تفسيري القبيح متساويين بل الثاني أعم لشموله المكروه كراهة التنزيه.

قوله: "لما ذكرت أن هذا الحكم" ظاهر هذا الكلام مشعر بأن الحكم بأن الحسن، والقبح إنما يثبتان بأمر الشارع، ونهيه مبني على الأصلين المذكورين، وذكر الأدلة لإثبات الأصلين، وليس كذلك فإن لهم على هذا المطلوب أدلة كثيرة عقلية، ونقلية لا تتوقف على أن فعل العبد ليس باختياره، ولا

Page 328