370

Sharḥ Ṭalʿat al-Shams ʿalā al-Alfiyya

شرح طلعة الشمس على الألفية

للأصوليين في تعريف القياس الاصطلاحي حدود وتعاريف أجودها ما ذكره المصنف، وهو أن القياس حمل مجهول الحكم على معلوم الحكم بجامع بينهما كالخمر فإن حكمه معلوم نبص الكتاب على تحريمه، ويسمى في اصطلاحهم أصلا، ومجهول الحكم كالتتن ونحوه، فإنه لم ينص على حكمه كتاب ولا سنة ولا إجماع، ويسمى فرعا، فقول المصنف: "فالأول أصل، وأما الثاني فرع" معناه أن الأول من أركان القياس يسمى أصلا، والثاني من أركان القياس يسمى فرعا، وليس مراده بالأول والثاني المقدم في اللفظ، والمؤخر عنه إذ المعلوم أن المتقدم في لفظه إنما هو مجهول الحكم الذي هو الفرع لا معلومه الذي هو الأصل، والمراد بالجامع الوصف الذي لأجله كان ذلك الحكم في ذلك الأصل كالإسكار في الخمر، فإنه إنما حرمت الخمر لإسكارها، فإذا وجد ذلك الوصف في شيء من الصور وجب حمله على تلك الصورة المعلومة الحكم، ووجب إعطاؤه ذلك الحكم، ولذا سمي ذلك الوصف جامعا لأنه جمع بين الصورتين في حكم واحد؛ فهذه ثلاثة أركان من أركان القياس، وهي الأصل، والمراد به الصورة التي نزل فيها الحكم كالخمر، والفرع، والمراد به الصورة التي لم يرد فيها حكم بعينها كالتتن مثلا، والوصف الجامع، والمراد به ما يكون الحكم في الأصل لأجله؛ فإن زال ذلك الوصف فقد ذلك الحكم، وبقي ركن رابع، وهو الحكم والمراد به الوجوب أو الندب أو التحريم أو التكريه أو الإباحة مثاله: إذا قسنا النبيذ على الخمر فالحكم فيه التحريم، والأصل الخمر لأنه المشبه به، والفرع النبيذ لأنه المشبه، والوصف الجامع بينهما الإسكار، وهذا الوصف يسمى في اصطلاح الأصوليين: علة، وسيأتي لكل واحد من هذه الأركان بسط كل شيء في موضعه، ولا بأس أن نسوق هاهنا أمثلة لقياس الفرع على الأصل ليتضح المقام للأفهام فمن ذلك جلد قاذف المحصن من الرجال قياسا على قاذف المحصنة فإن قوله تعالى: { والذين يرمون المحصنات } (النور: 4) الآية نص

في قاذف المحصنات من النساء، فقاس عليه المسلمون قاذف المحصن من الرجال، ومن ذلك قياس سريان عتق الأمة على سريان عتق العبد، فإن السنة وردت فيمن أعتق حصته من عبد له فيه شرك عتق العبد كله، فقاس المسلمون الأمة على العبد في هذا الحكم لاستوائهما في العلة، وهي كون كل واحد منهما مملوكا عتقه قربة.

ومن ذلك قياس مس فرج الرجل في نقض الوضوء على مس فرج المرأة، فإن السنة وردت في امرأة مست فرجها وهي متوضئة، فقال - صلى الله عليه وسلم - : "تعيد طهرها"، فقاس المسلمون عليه في هذا الحكم مس فرج الرجل لا ستوائهما في العلة، وهي كون كل واحد منهما عورة مخصوصة بأحكام ليس في غيرها، وهذا القياس إنما وه عند من لم يصح معه حديث نقض الوضوء بمس الذكر، فهذه الأشياء كلها واضحة القياس لحصول العة في الأصل والفرع حصولا واضحا، فهي من قبيل القياس الجلي، ويسمى أيضا قياس المعنى كما سيأتي.

Page 92