368

Sharḥ Ṭalʿat al-Shams ʿalā al-Alfiyya

شرح طلعة الشمس على الألفية

الثالث: : { ويتبع غير سبيل المؤمنين } (النساء: 115)، قلنا المراد بسبيل المؤمنين في الآية ما أجمعوا عليه لا ما اختلفوا فيه، احتجت الظاهرية بأنه قد وقع من التابعين إحداث القول الثالث، ولم ينكر عليهم أحد من الأمة؛ فدل على جواز ذلك، بيان ذلك أن ابن سيرين قال في زوجة وأبوين، للأم ثلث جميع المال، وقال في زوج وأبوين أن للأم ثلث ما بقي، ففصل بين المسألتين، والصحابة لم تفصل بينهما بل قال بعضهم: لها ثلث ما يبقى في الصورتين جميعا، وقال بعضهم: لها ثلث جميع المال فيهما جميعا، فقول ابن سيرين قول ثالث، وكذلك قال سفيان الثوري: "من أكل ناسيا لم يفطر، ومن جامع ناسيا أفطر"، والصحابة لم تفرق، بل قال بعضهم: يفطر فيهما، وبعضهم: لا يفطر فيهما، واحتج القائلون بالتفصيل بما مر ذكره من أن القول الثالث إذا كان رافعا للقولين السابقين كان مخالفا لإجماعهم، بخلاف ما إذا كان من كل واحد طرفا، بيان ذلك ان اختلاف الأمة على قولين إجماع منهم على أنه ليس هناك قول ثالث، والقائل بما يخالف القولين رأسا مخالف لهذا الإجماع.

قلنا: وكذلك أيضا يلزم على القول بالتفصيل فإنهم إنما أجمعوا في زعمكم على القولين المذكورين، فالقول بغيرهما مخالف لذلك الإجماع الذي زعمتموه، فلا وجه للتفصيل، والصحيح عندي من هذه الأقوال الثلاثة: القول بجواز إحداث قول ثالث مطلقا، سواء رفع القولين السابقين، أو لم يرفعهما لأن المحرم عندنا إنما هو خلاف الإجماع دون ماعداه من الخلاف، واختلاف الأمة على قولين دليل على جواز الرأي في تلك القضية؛ فصح لغيرهم مثل ما صح لهم من الرأي والاجتهاد، بل يلزم المجتهد أن يخالفهم إذا رأى أن الراجح خلافهم، ولا يصح له تقليدهم عندي كما لا يصح له تقليد مجتهد مثله بع تمكنه من الاجتهاد، وقدرته عليه، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في الكلام على مباحث القياس، وهو النوع الرابع من الأدلة الشرعية، فقال:

Page 90