364

Sharḥ Ṭalʿat al-Shams ʿalā al-Alfiyya

شرح طلعة الشمس على الألفية

وأما الإجماع على خلاف إجماع قد تقدم فلأن الإجماع المتقدم حق بنص الأدلة الشرعية، فيلزم أن يكون الإجماع الثاني ضلالا، وخالف أبو عبد الله البصري من المعتزلة، فزعم أنه يصح الإجماع على خلاف إجماع تقدمه، قال: "لأن الإجماع الأول مشروط بأن لا يطرأ إجماع يخالفه"، قال : "إلا أن يجمعوا على منع الإجماع بعد إجماعهم؛ فهذا لا يصح خلافه"، ورد بأن الدليل لم يفصل بين ما أجمعوا على أنه لا يصح لمن بعدهم أن يجمعوا على خلافه وبين ما مل يجمعوا فيه على ذلك، وأيضا فتقدير الشرط في صحة انعقاد الإجماع الأول مخالف لظاهر الأدلة؛ لأن ظاهر الأدلة إنما يكون نفس اتفاقهم إجماعا، فلا وجه للتقدير المذكور، وأيضا فتقدير ذلك الشرط لا دليل عليه، فظهر أن الإجماع الأول حجة، وأنه لا يصح أن يجمعوا على خلافه، وأيضا فالمعتبر إجماع أهل كل عصر من الأمة دون من سيأتي من بعدهم فإن خلاف من جاء بعد انقراض العصر الذي وقع فيه الإجماع لا يعتبر اتفاقا، وقيل: بل يعتبر خلافه؛ لأن المشروط إنما هو اتفاق الأمة بحيث لايقع خلاف أحد في ذلك الحكم إلى انقضاء التكليف بظهور أشراط الساعة التي يرتفع بها التكليف، فإن ظهر قبل ذلك خلاف كشف عن كون الإجماع لم ينعقد، وتجوز مخالفة ما أجمع عليه أهل العصر الأول، والآخر مهما لم يرتفع التكليف، ورد بأنه قد ثبت أن الإجماع حجة على الأحكام التكليفية يلزمنا العمل بما اقتضاه، وفي اشتراط ذلك إبطاله لأنه لا يمكن الأخذ به في حالة من الحالات حينئذ.

قال صاحب المنهاج: "وهذا القول حكاه أصحابنا في كتبهم، وظاهره الضعف الكلي لما ذكرنا"، قال: "وحجته قوية جدا، والأدلة إنما تقتضي تحريم مخالفة كل الأمة لا بعضها، ولا شك أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - هي من صدقه من مبعثه إلى انقضاء التكليف، وما دون ذلك فهو بعض الأمة؛ فلا تحرم مخالفته، وهذا واضح"، قال: "ولا جواب إلا أن يستدل على تحريم مخالفة أهل كل عصر بقوله - صلى الله عليه وسلم - : "عليكم بالسواد الأعظم"، "من فارق الجماعة قيد شبر..."، ونحوه لكنه غير قاطع" قال.

وأما ابن الحاجب فادعى الإتفاق على أنه لا يعتبر من سيوجد من الأمة وهو قريب على رأي من جعل الإجماع حجة شرعية.

- الشرط الثالث:

انقراض العصر، أعني عصر المجتمعين، قال به أبو علي وأحمد بن حنبل وابن فورك وبعض أصحابنا، وقال الجمهور لا يشترط، ومعنى ذلك أن لا يظهر خلاف ممذن قد كان يمكنه النظر في الحادثة المجمع على حكمها، وفي الحياة أحد من أهل ذلك الإجماع، وقيل: يشترط في الإجماع السكوتي فقط.

Page 86