360

Sharḥ Ṭalʿat al-Shams ʿalā al-Alfiyya

شرح طلعة الشمس على الألفية

وكذلك أيضا لا يكون اتفاق الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع خلاف غيرهما إجماعا؛ لأنهما بعض الأمة، قال البدر: "واعلم أن بعض الفقهاء جوز انعقاد الإجماع بالخليفتين وحدهما"، قلت: وهو مردود بما تقدم. وكذلك أيضا لا يكون اتفاق الخلفاء الأربعة إجماعا؛ لأنهم بعض الأمة، وزعم بعض الظاهرية أن إجماع الخلفاء الأربعة حجة ولا يعتبر بإجماع غيرهم، واحتجوا على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، فالخلفاء الراشدون هم الأربعة فقط وهم المقصودون بأدلة الإجماع؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد عرفنا أن الرشاد ما أجمعوا عليه فهم حينئذ المقصودون في الآية والخبر، ورد بأنه لا تصريح بذلك، وإنما الظاهر من الحديث أن سنة الخلفاء الراشدين كسنته في وجوب الاتباع، ولم يخص - صلى الله عليه وسلم - الخلفاء الأربعة، بل أراد كل خليفة حق، ولا شك أنه قد جاء من بعدهم خلفة حق كطالب الحق، والجلندى بن مسعود والوارث بن كعب وغيرهم من أئمة المسلمين رضوان الله عليهم، فلا وجه لتخصيص الأربعة، وإذا عرفت أن وفاق جميع المجتهدين معتبر في صحة الإجماع وأن اتفاق بعضهم مع خلاف البعض الآخر لا يكون إجماعا وإن كثر المتفقون، فاعلم أن التابعي إذا بلغ درجة الاجتهاد في زمن الصحابة كجابر بن زيد - رضي الله عنه - وجب اعتباره مع من أدرك الصحابة فيكون وفاقه وفاقا لهم، ولا ينعقد مع خلافه إجماعهم، وقيل لا يعتبر معهم فإذا خالفهم لم يعتد بخلافه بل قد تم الإجماع دونه، وعلى هذا ابن بركة، والخلاف في ذلك مع من لم يعتبر بإجماع من عدا الصحابة، فإنهم زعموا أنه لا يعتد به، ورد بأن المعتبر بإجماع أهل العصر، ولا شك أنه قد صار من أهل العصر؛ فاعتد به، وأيضا فإن الصحابة لم ينكروا فتاوى التابعين إذ قد كانوا يفتون في وقتهم كجابر وشريح والحسن وسعيد بن المسيب وغيرهم.

وعن سلمة: "تذاكرت مع ابن عباس وأبي هريرة في عدة الحامل للوفاة، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت: أنا بالوضع، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي"، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: "اسألوا جابرا بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه"، وعن ابن حيان قال: " سمعت ابن عباس في المسجد الحرام يقول: جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق"، وعن ابن عباس أيضا قال: "جابر بن زيد أعلم الناس"، وعنه أيضا قال: "عجبا لأهل العراق يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه"، وأيضا فالتابعي بعض الأمة، فإذا كان مما يعتبر بنظره؛ فكيف لا يعتد بخلافه؟!، فلا يصح أن يقال: أجمعت الأمة، وهو مخالف لقولهم إذ لا إجماع ثمة، والله أعلم، وكذلك أيضا لا يكون الإجماع موقوفا على أهل زمان دون غيره لأن الجميع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيكون اتفاق أهل كل عصر إجماعا، فإجماع من بعد الصحابة كإجماع الصحابة، وقالت الظاهرية وإحدى الروايتين عن أحمد: لا يعتد بإجماع من بعد الصحابة، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } (آل عمران: 110)، وهم الذين خوطبوا في الآية دون من بعدهم؛ فلزم كونهم المقصودين بأدلة الإجماع، ورد بأن الآية في مدحهم، فإما كون إجماعهم حجة فلا سلمنا، فلا نسلم اختصاص المخاطبين بذلك، بل هو على حد قولك لواحد من قبيلة قد مات الأكثر منهم: أنت أشرف القبائل، فكما لا يختص المدح بالمخاطب هاهنا كذلك { كنتم خير أمة }، سلمنا، فدخل من بعدهم بدليل آخر نحو: { لتكونوا شهداء } (البقرة: 143)، "ولا تجتمع أمتي على ظلالة"، "لاتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين"، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان محل الإجماع، فقال:

Page 82