Sharḥ Ṭalʿat al-Shams ʿalā al-Alfiyya
شرح طلعة الشمس على الألفية
اعلم أن وقوع الإجماع من أهل الإجماع ممكن وكذا بلوغ العلم بإجماعهم إلينا ممكن وكذا نقل إجماعهم لمن بعد عنهم ممكن فلا استحالة في شيء من هذه المقامات الثلاثة، وقد خالف بعض أهل العلم الأهواء في المقام الأول فزعم النظام وبعض الروافض وبعض الخوارج امتناع وجود الإجماع ونقل عنهم أيضا نفي حجيته كما مر، واحتجوا على امتناع وجوده بأن انتشار الأمة يمنع نقل الحكم إلى كل واحد منهم كما في كثير من الحادثات، فيمتنع إجماعهم على حكم واحد، وأجيب بأن المجتهدين عدد قليل، ولهم اجتهادات في البحث عن الأحكام فلا يلزم مع ذلك امتناع اطلاع كل واحد منهم على ذلك الحكم، أما من اعتبر العوام من العلماء فلم يرد إلا من له مسرح من النظر في الحادثة دون من لا نظر له في ذلك، وهم أيضا له بحث وأخذ عن أهل البحث فيكونون في ذلك كالمجتهدين، قال صاحب المنهاج: "أما من اعتبر كل الأمة فالحجة لازمة له، والله أعلم"، وخالف بعضهم في المقام الثاني فزعموا أن الإجماع وإن صح في ذاته لكن العلم بأنه إجماع ممتنع، واحتجوا على ذلك بأنه لو صح الإجماع لكان إما عن دليل قاطع، وإما عن دليل ظني، فإن كان عن دليل قاطع وجب أن ينتهي نقله إلينا كما انتهى إليهم، وإن كان عن ظني منع الاتفاق على مضمونه لاختلاف القرائح، وأجيب بأن ذلك ممنوع في الطرفين؛ إذ لا يستغنى بالظني عن نقل القطعي وقد يكون الظني جليا، وخالف بعضهم في المقام الثالث فمنعوا من صحة نقله إلينا بعد تجويزهم إمكان وجوده وإمكان الاطلاع عليه في زمانه، واحتجوا على ذلك بأنه لو قدرنا حصول إجماع السلف على حكم، فإن العادة تقضي بمنع نقله إلينا وحصول اليقين لتجويزنا خفاء بعض أهل ذلك العصر لحادث، إما مرض أو أسر أو خمول أو كذبه أو رجوعه قبل قول الآخر، ولو سلم فنقله مستحيل عادة، لأن الآحادي لا يفيد، والتواتر يفيد، وأجيب بأنه لا نسلم هذه الأمور فإنا قاطعون بتواتر النقل بتقديم
النص القاطع على الظن، ولا نعتد بالنظام وبعض الخوارج وبعض الشيعة، هكذا ذكره ابن الحاجب، ومعنى قوله: "ولا نعتد بالنظام"، أراد أنا لا نعتد بإنكارهم لتواتر هذا الإجماع إلينا، فهم مخالفون للضرورة وحاصل الجواب أنه قد نقل إلينا إجماع الصحابة على تقديم الدليل القطعي على الدليل الظني فعلمنا من ذلك إمكان نقل الإجماع فلا وجه للقول باستحالة نقله، قال صاحب المنهاج: "وللخصم أن يقول: لا نسلم لك أن قطعنا بالصحابة كانوا يقدمون النص القاطع على الظني حاصل عن تواتر إجماعهم على ذلك، بل عن مقتضى العقل فإنه إذا عارض النص الظني النص القاطع لم يحصل ظن رأسا حينئذ، بخلاف ما قد علمناه يقينا نعلم ذلك عقلا لا عن إجماع" انتهى كلامه، وهو دفع للجواب الذي ذكره ابن الحاجب من وقوع نقل الإجماع والله أعلم، ثم إنه أخذ في بيان أهل الإجماع المعتبر إجماعهم في الأمة فقال:
Page 74