333

Sharḥ Ṭalʿat al-Shams ʿalā al-Alfiyya

شرح طلعة الشمس على الألفية

النوع الخامس: ما ورد على غير هذه الأنواع الأربعة التي ذكرناها وهو قسمان: القسم الأول ما علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فحكمه على ما علم من ذلك وأمته عليه الصلاة والسلام مثله في ذلك وجوبا وندبا وإباحة ما لم يقم دليل يمنع التأسي به في شيء من ذلك لعموم قوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } (الأحزاب: 21)، وظاهرها وجوب التأسي به في إيجاب ما وجب وندب ما ندب واستباحة ما استباح لقوله تعالى في آخرها: { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } (الأحزاب: 21)، فإنه في معنى الوعيد على الإخلال بالتأسي به وذلك يقتضي الوجوب، وقيل لا يلزمنا التأسي به في شيء من أفعاله إلا فيما قامت دلالة شرعية على تكليفنا به إذ لا دليل يقتضي وجوب ذلك علينا فيما فعله ولم يأمرنا أن نفعل كفعله كما قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خذوا عني مناسككم"، فأما قوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } (الأحزاب: 21) الآية، فلا نسلم أنها تكفي في وجوب التأسي به لأنها مجملة وبيان إجمالها أنا قد علمنا أن في أفعاله ما لا يلزمنا اتباعه فيه وفيها ما يلزمنا اتباعه فيه، ولا يتميز لنا هذا من هذا إلا بدلالة تبين لنا ما يجب علينا اتباعه فيه، ورد بأنه إنما يصح ما قلتم لو لم يكن قد تميز لنا ما لا يجب علينا التأسي فيه، فأما وقد تميز لنا في الصورتين اللتين قدمنا علمنا أن ما عداهما فهو المقصود في الآية الكريمة، فوجب امتثالها وهو المطلوب، وقال أبو علي بن خلاد لا يلزمنا اتباعه في شيء من أفعاله إلا بدليل خاص نحو أن يظهر لنا كونه بيانا لما خوطبنا به كقوله - صلى الله عليه وسلم - : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، و"خذوا عني مناسككم"، وكالغسل إلى المرفق أو حيث يكون فعله من

العبادات فإنه الذي يجب علينا التأسي به إذ الظاهر أن حكمنا حكمه فيها وما سواها فلا وجه لوجوب اتباعه فيه من غير دليل، ورد بأنه لا نسلم أن الظاهر فيما عدا العبادات سقوط وجوب التأسي والآية لم تفصل، وكذلك عموم قوله تعالى: { واتبعوه } (الأعراف: 158)، يقتضي ذلك لا يقال إن الآيتين الكريمتين إنما تدلان على وجوب التأسي مرة واحدة؛ لأنه أمر، والأمر لا يقتضي الاستمرار ثم إنا ندعي الإجماع على وجوب التأسي به في غير العبادات كما يجب فيه فإنهم رجعوا إلى أزواجه في قبلة الصائم وفيمن أصبح جنبا لم يفسد صومه وفي تزوجه ميمونة وهو حلال أو حرام وغير ذلك.

القسم الثاني: ما لم يعلم صفته من وجوب أو نحوه، وإنما فعله - صلى الله عليه وسلم - ولم تدلت قرينة على جهة إتيانه له أهو على جهة الوجوب أم غيره، اختلف الأصوليون على ما يحمل فنوقعه نحن عليه، فقال أبو العباس ابن سريج والأصطخري وغيرهما من أصحاب الشافعي : "إنه يحمل على الوجوب فيلزمنا إيقاعه لوجوبه"، وقال الشافعي: "بل يحمل على الندب فقط"، وقال مالك: "بل يحمل على الإباحة"، وروي عنه القول بالوجوب أيضا، وقال ابن الحاجب: "إن ظهر منه - صلى الله عليه وسلم - قصد القرية فندب وإلا فمباح"، وقيل بالوقف.

احتج القائلون بالوجوب بوجوه أحدها: ما قدمنا من عموم قوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } (الأحزاب: 21)، وقوله تعالى: { واتبعوه } (الأعراف: 158)، وثانيها: عموم قوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (الحشر: 7)، وأيضا فقد خلع - صلى الله عليه وسلم - نعله في الصلاة بأنه إنما يجب التأسي والاتباع على جهة الوجوب حيث علم أن الفعل واجب، أما حيث لم يعلم ذلك فلا دليل على أن الفعل واجب.

Page 55