228

Sharḥ Riyāḍ al-Ṣāliḥīn

شرح رياض الصالحين

شرح حديث: (أخبروه أن الله يحبه)
من أحاديث الباب حديث عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟).
يعني: كان أميرًا عليهم، فكان يصلي بهم فيقرأ بآيات ثم يختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فأنكروا عليه وقالوا: إما أن تقرأ بها وحدها وإما أن تقرأ بغيرها، لماذا تعمل هذا الشيء؟! فشكوه إلى النبي ﷺ، والنبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك، ولكن الرجل من شدة حبه لهذه السورة كان يفعل ذلك! فلما سأله النبي ﷺ قال: (لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ: أخبروه أن الله تعالى يحبه).
فهذا الصحابي طغى حبه لهذه السورة على غيرها، وغيره يحب القرآن كله، وينتفع بكل ما في القرآن، ولكن هذا أحب صفة الله المذكورة في هذه السورة؛ فالله ﷿ أحبه لحبه لسورة واحدة، فكيف بمن أحب القرآن كله؟ لا شك أنه أعظم وأعظم من هذا.
هذا تأمل في سورة واحدة منها صفات للرحمن سبحانه ﵎، وربنا ﷾ أمرنا بتدبر القرآن فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
فإذا كان الإنسان الآن يعمل مثل هذا الصحابي فنقول: اعمل مثل النبي ﷺ واتبعه فهو أولى من اتباعك لهذا الصحابي، فهذا تدبر سورة واحدة فيها صفات الله سبحانه ﵎، ولكن الله ﷿ أمرنا بتدبر القرآن كله، فتدبر القرآن كله، تدبر الفاتحة التي تقرؤها، وكيف أنك تخاطب الله سبحانه ﵎ وأنت تقرؤها كما في الحديث: (إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الرب سبحانه: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله سبحانه: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله سبحانه: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل).
إذًا: الفاتحة فيها صفات لله سبحانه ﵎: الله الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والذي يتأمل سيجد في كل القرآن مثل ذلك، فالمؤمن عليه أن يتبع النبي ﷺ ويحب كتاب الله، ويحب سنة النبي ﷺ، ويرجو حب الله.
وحب الله غاية عظيمة يدركها الإنسان بفضل الله سبحانه، ولا يوجد إنسان يقول: يا رب إني أحبك وربنا يحرمه من ذلك، ربنا سبحانه ﵎ أكرم، قال لعباده العاصين: توبوا لأتوب عليكم، فإن كنت تريد حب الله سبحانه ﵎ فاعمل لذلك، والفضل من الله ﷿ يمن به على عباده.
فلذلك يتقرب المؤمن إلى الله ﷿ ويرجو حب الله ويرجو أن يكون الله سبحانه ﵎ معه في قيامه في قعوده في نومه في سجوده، في كل وقت يرجو أن يكون الله ﷿ معه، فلذلك يعمل لذلك، ومستحيل أن يتقرب العبد إلى الله ويرجو وجه الله فيبعده الله سبحانه ﵎، الله الكريم يعطي على إحسان العبد إحسانًا وزيادة على الحسنى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فاعمل لله سبحانه وارج فضل الله سبحانه الذي لا يبخل به على أحد أبدًا، وفضل الله عظيم.
نسأل الله من فضله ورحمته، ونسأله حبه ومحبته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

23 / 8