Sharḥ Riyāḍ al-Ṣāliḥīn
شرح رياض الصالحين
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
Egypt
الولي يسمع ويبصر ويتحرك بالله تعالى
قال: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).
هذا الإنسان الموفق لا يكتسب شيئًا إلا الشيء الذي يحبه الله ﷿، فهو بالله يسمع، يعني: بتقدير الله ﷿ صمت أذناه عن المنكر فلم يسمعه ولم ينتبه له، واستمع الخير ففتح الله سمعه ووعيه وقلبه، حتى: يستفيد من ذلك، ففتح له سمعه ليستمع إلى الخير، وينتفع بالخير الذي سمعه، وكم من إنسان يسمع الخير، ولا يقدر أن يعمل بما سمع، ولكن هذا الولي الذي يحبه الله فتح الله ﷿ سمعه فجعله يسمع، فبالله يسمع، وبالله يبصر، وبالله يبطش، وبالله يمشي، فإذا نظر رأى الخير، وإذا رأى المنكر غض طرفه وبصره عن ذلك، فبالله ﷿ نظر، وبقدرة الله ﷿ أبصر، وبهدى الله غض بصره عما حرم الله ﵎، قال في الحديث: (فبي يسمع وبي يبصر) قال: (ويده التي يبطش بها).
البطش هو الإمساك باليد، فيقدره الله ﷿ على ذلك، فيمسك بسيفه ويضرب به أعداء الله، قال سبحانه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
فهل يعقل أن الإنسان يأخذ حفنة من التراب بيديه ثم يلقيها على الكفار، فتعمى أعين هؤلاء؟ لا يقدر أي إنسان أن يفعل ذلك، ولكن إذا أراد الله شيئًا قال له كن فيكون؛ فإذا بالنبي ﷺ يأخذ قبضة من التراب أو من الحصى ويلقيها على الكفار في خروجه من بيته مهاجرًا، فإذا بالله يعمي هؤلاء بهذا التراب الذي وضع على رءوسهم، ولم يقدر أحد منهم أن يزيله عن رأسه.
وفي يوم حنين يأخذ النبي ﵊ حفنة من التراب ويلقيها عليهم ويقول: (شاهت الوجوه)، ويقتحم ﷺ عن بغلته، وينزل إلى هؤلاء ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه، وكان هذا في موطن يفر فيه الشجعان، فإن جيش النبي ﷺ انهزموا وهم اثنا عشر ألف رجل، ولم يبق معه إلا سبعون رجلًا من آل بيته ومن كبار أصحابه صلوات الله وسلامه عليه، يواجهون عشرة آلاف من الكفار الذين امتلئوا بالحقد على النبي ﷺ وأصحابه، وأقبلوا بالسيوف وبالرماح، وهو يتقدم ويقول: (أنا النبي لا كذب) صلوات الله وسلامه عليه، ويلقي عليهم كفًا من حصى فيعميهم الله، ويفرون من النبي ﷺ، فهل الحصى تجعل هؤلاء يفرون أو هو قضاء الله وقدرته وفضله سبحانه ﵎؟ قال الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
صحابي صغير في جسمه من أصحاب النبي ﷺ وهو أبو اليسر رضي الله ﵎ عنه يأسر العباس عم النبي ﷺ في يوم بدر، والعباس رجل طويل جسيم قوي شجاع رضي الله ﵎ عنه، وكان مع المشركين، وقد قال للنبي ﷺ: كنت مسلمًا، فقال له النبي ﷺ: (كان ظاهرك علينا، قد كنت في صف المشركين)، فيأسره هذا الصحابي، ويأتي به إلى النبي ﷺ.
فيعجب العباس ويقول للنبي ﷺ: ليس هذا أسرني، فيقول النبي ﷺ لـ أبي اليسر: (قد أعانك الله ﷿ عليه بملك كريم) فما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، فيقدر الله ﷿ من يشاء من خلقه على من يشاء ﷾.
وقد نصر الله المؤمنين الذين كانوا ضعفاء أذلة في يوم بدر فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣].
قال: (وكنت يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) فلا يمشي إلا إلى معروف، يمشي في طاعة، يمشي ليعمل الخير، يمشي لعيادة مريض، يمشي لتشييع جنازة، يمشي لصلاة فريضة أو صلاة نافلة، يمشي لأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فهو يمشي بتوفيق الله ﷿، ويقدره الله أن يمشي إلى الخير، ويبتعد عن الشر، فالله هو الذي يقدره على أن يمشي إلى الخير، وأن يمتنع عن الشر.
23 / 5