قدم أبو سفيان ومعه جماعة من قريش إلى هرقل في الشام، وهرقل كان ملك النصارى في ذلك الوقت النبي صلي الله عليه وسلم وكان قد قرأ في التوراة والإنجيل وعرف الكتب السابقة، وكان ملكا ذكيا، فلما سمع بأبي سفيان ومن معه وهم قادمون من الحجاز دعا بهم، وجعل يسألهم عن حال النبي صلي الله عليه وسلم وعن نسبه، وعن أصحابه، وعن توقيرهم له، وعن وفائه ﷺ وكلما ذكر شيئا أخبروه عرف أنه النبي الذي أخبرت به الكتب السابقة، ولكنه - والعياذ بالله - شح بملكه فلم يسلم للحكمة التي أرادها الله ﷿.
لكن سأل أبا سفيان عما كان يأمرهم به النبي صلي الله عليه وسلم فأخبره بأنه يأمرهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، فلا يعبدوا غير الله، لا ملكا ولا رسولا، ولا شجرا ولا حجرا، ولا شمسا ولا قمرا، ولا غير ذلك، فالعباد ة لله وحده، وهذا الذي جاء به الرسول ﷺ قد جاءت به الرسل كلهم، جاؤوا بهذا التوحيد قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء: ٢٥) .
وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: ٣٦)، أي: اعبدوا الله واجتنبوا الشرك.
وهذه دعوة الرسل، فجاء النبي صلي الله عليه وسلم بما جاءت به الأنبياء من قبله بعبادة الله وحده لا شريك له.
ويقول: «اتركوا ما كان عليه آباؤكم» انظر كيف الصدع بالحق! كل ما كان آباؤهم من عبادة الأصنام أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بتركه.
وأما ما كان عليه آباؤهم من الأخلاق الفاضلة؛ فإنه لم يأمرهم بتركه.