256

Sharḥ kitāb al-tawḥīd min Ṣaḥīḥ al-Bukhārī

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري

Publisher

مكتبة الدار

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٥ هـ

Publisher Location

المدينة المنورة

وفي هذه النصوص ونحوها كثير أبلغ دليل على ثبوت صفة الرحمة لله -تعالى-، وكذا صفة الغضب، وبذلك يتبين بطلان قول أهل التأويل في هذه الصفة الكريمة من صفات ربنا ﵎، وقولهم: " إن الرحمة: رقة القلب، وهي تدل على الضعف والخور في طبيعة الراحم، وتألمه على المرحوم" وهذا قول باطل بالنسبة إلى صفة الله -تعالى-، وبيان ذلك على وجوه:
الأول: أن هذا وصف رحمة بعض المخلوقين من النساء ونحوهن.
وقد علم التفاوت العظيم بين الخالق -تعالى- والمخلوق؛ بالشرع والعقل، والإجماع، وقد تقرر أن الصفة تتبع الموصوف في الكمال، وضده، كما تقدم.
الثاني: أن الضعف والخور مذموم، وهو نقص، وأما الرحمة فممدوحة، كما قال -تعالى-: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (١)، مع نهيه -تعالى- عباده عن
الوهن، والحزن، قال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ (٢)، وحثهم على الرحمة، وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث في ذلك، كقوله ﷺ: " من لا يرحم لا يرحم"، وقوله: " لا تنزع الرحمة إلا من شقي"، وقوله: " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
ومستحيل أن يقول: لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي.
ولما كانت الرحمة في حق كثير من الناس، تقارن الضعف والخور، ظن من غلط في ذلك أنها كذلك مطلقًا.
الثالث: أن أسماء الله -تعالى- حسنى، لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، وصفاته عليا عن النقص أيضًا، والله -تعالى- قد تمدح بهذه الأسماء والصفات، لأنها تدل على الكمال، فمن المحال أن يلحقها ما يلحق رحمة المخلوق.

(١) الآية ١٧ من سورة البلد.
(٢) الآية ١٣٩ من سورة آل عمران.

1 / 262