واستشهد لذلك بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ (١)، فالحق هو قوله وكلامه، فالله -تعالى- خلق الأشياء بكلامه وقوله، فما خلق به الأشياء فهو غيرها، فكلام الله -تعالى- الذي خلق الخلق غير مخلوق" (٢) .
قلت: وبهذا يظهر مراد البخاري - رحمه الله تعالى - فقول الله -تعالى- حق، وهو صفة له، وما وجد بقوله فهو غير القول، بل هو المفعول المخلوق، فقوله -تعالى- الذي خلق به الأشياء، لا يجوز أن يكون مماثلًا لها، فلا بد من التفريق بين قوله الذي هو صفته، وبين مفعولاته التي وجدت بقوله، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في باب: ما جاء في تخليق السماوات والأرض وهو -تعالى- خلق السماوات والأرض وغيرهما بقوله لها: كوني، كما قال -تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٣) .
قال الحافظ: " كأنه أشار بهذه الترجمة إلى ما ورد في تفسير هذه الآية، أن معنى قوله: ﴿بالحق﴾ أي بكلمة الحق، وهو قوله: ﴿كن﴾ ويدل عليه ما في أول الحديث، "وقولك الحق" فكأنه أشار إلى أن القول ﴿في الحديث﴾ الكلمة، وهي "كن" والله أعلم" (٤) .
وقال ابن المرتضى: " هذا إشارة من البخاري إلى مذهب أهل السنة في إثبات الحكمة" (٥) .
(١) الآية ٧٣ من سورة الأنعام.
(٢) "تفسير الطبري" (١١/٤٥٨-٤٥٩) تحقيق: محمود شاكر، ملخصًا.
(٣) الآية ١١ من سورة فصلت.
(٤) "الفتح" (١٣/٣٧١) .
(٥) "إيثار الحق على الخلق" (ص٢٠٥) .