224

Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة

كل فضل ونعمة فمن الله، وكل عقوبة وذم فبما كسبته الأيدي
الفائدة الثانية: أن النبي ﷺ يقول: (لا يجني كل امرئ إلا على نفسه) يعني: لا يعاقب إلا بجريرة نفسه، والتأصيل في ذلك بإيجاز: أن كل فضل وكل نعمة وكل إكرام وكل طاعة وكل تسارع في الخيرات لا يكون إلا من الرب الجليل، وليس منك فيه شيء، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، وأيضًا كل ذم وكل عقوبة تأتي عليك فهو بما كسبت يداك، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] وقال: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال جل في علاه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
وفي الصحيح قال رسول الله ﷺ لصحابتة وهم أفضل الخلق بعده: (إنكم لن تدخلوا الجنة بعملكم، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
هذا فيه دلالة واضحة على أن كل خير يصيب الإنسان فإنما هو بمحض فضل الله جل في علاه، وكل مصيبة تصيبه فإنما هي بما كسبت يداه، وقد جمع الله بينهما في كتابه، وفي سنة نبيه ﷺ، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، فجمع الله بينهما في هذه الآية بإيجاز عظيم.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ في الحديث العظيم فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
فكل إنسان بصير بنفسه، فإذا رأى نفسه في زيغ وفي ضلال وفي معصية فلا يلومن إلا نفسه، ومن وجد نفسه في طاعة وقرب من الله جل وعلا فليحمد الله؛ فإن الفضل كله بيد الله سبحانه جل في علاه.
وبقيت هنا مسألة من المهمات وهي: أن النبي ﷺ عندما سئل عن المشركين الذين قتلوا في بدر وفي غيرها قال: (هم في النار)، بل أوصى وقال: (إذا مررت على قبورهم فقل: أرسلني إليكم محمد ﷺ أن أبشركم بما يسوءكم: تجرون على بطونكم ووجوهكم في نار جهنم، فقال رجل من قريش يخشى على آبائه أو قال: وجدت الحر في صدري فقلت: وأهلك يا رسول الله؟! قال: وأهلي) يعني: وأهل النبي ﷺ في النار.

27 / 6