Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma
شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
Egypt
أصناف الواردين على الحوض
وأما الذين يَردون هذا الحوض بعد الظمأ الشديد، وبعد العطش القاتل، فيشربون شربة واحدة كما بين النبي ﷺ، وهذه الشربة لا يظمأ بعدها العبد أبدًا فهم المؤمنون الذين آمنوا بالله جل وعلا واتبعوا سنة نبيه ﷺ، والذين رضوا بالله ربًا وبرسوله نبيًا ورسولًا ﷺ، وبالإسلام دينًا، والذين غلبت حسناتهم على سيئاتهم، والذين قدموا قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد، والذين قدموا كتاب الله على كتاب أي أحد.
فإن قيل: وكيف يعرفهم رسول الله ﷺ والأمم متشعبة والناس كثر من لدن آدم ﵇ وإلى آخر الخليقة، خاصة وقد قال رسول الله ﷺ: (وإني لأذود الناس عن حوضي) أي: يدفع الناس عن حوضه ﷺ؟ فأقول: قد سئل رسول الله ﷺ هذا السؤال من أبي هريرة ﵁ وأرضاه، فأجاب إجابة وافية فقال: (تبعثون يوم القيامة غرًا محجلين)، والغرة: هي البياض في الجبهة، والتحجيل يكون في اليد وفي الرجل، وهذا يكون من الوضوء، فيستقبلهم في حوضه ويسقيهم، فكل واحد يشرب منه شربة هنيئة فإنه لا يظمأ بعدها أبدًا.
وأما المبعدون والخاسرون والهالكون فيا حسرة عليهم، بل غير مأسوف عليهم، فإنهم سيردون عن حوض النبي ﷺ، وهؤلاء هم المنافقون والمبتدعون والكافرون ومن ارتد عن دين الله جل وعلا، فقد حرِّم عليهم أن يشربوا من حوض النبي ﷺ، وهم أحوج ما يكونوا إلى جرعة ماء، فجزاهم الله جزاءً وفاقًا وأجرًا طباقًا، فمن ارتد ردة كلية، أو ابتدع في دين الله فهو مبعد عن حوض رسول الله ﷺ.
وقد صور لنا النبي ﷺ هذا المشهد أيما تصوير، فقال ﷺ: (إني لأذود الناس عن حوضي وليختلجن -أي: يخطف- أقوام من أمتي، فأقول يا رب! أصحابي أصحابي، فيقال: يا محمد! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فيقول النبي ﷺ جزاءً وفاقًا: (فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي، بُعدًا بعدًا لمن بدل بعدي).
فالمبتدع لا يشرب من حوض النبي ﷺ، ولا يتشرف بمس يد النبي ﷺ بأبي هو وأمي، ولا غرو ولا عجب أن يمنع هذا المبتدع من الشرب؛ إذ المبتدع أبى الله عليه أن يتوب، كما في الحديث عن النبي ﷺ: (إن الله حجب التوبة عن كل مبتدع) وجاء بسند صحيح عن الثوري أنه قال: البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لماذا؟ لأن صاحب البدعة يقاتل عليها وينافح عنها كما سنبين.
وأما العاصي فحتى لو ارتكب الكبائر فإنه يعترف بأنه على خطأ ومعصية، فمثل هذا نرجو أن يقلع عن تلك المعاصي، وقد نقول: إن المبتدع تلحقه وتدركه لعنة رسول الله ﷺ، وليس بعدها من لعنة! فقد قال النبي ﷺ: (لعن الله من آوى محدثًا)، وآوى محدثًا، أي: أن الذي يئوي المبتدع فقط ملعون، فما بالكم بالذي ابتدع في دين الله جل وعلا، ودافع عن هذه البدعة؟! فالمبتدع أول ما يصاب في عرصات يوم القيامة، فإن احتاج إلى الماء فلا يشرب شربة هنيئة من يد رسول الله ﷺ، وليختلجن أناس من أمام رسول الله ﷺ فيقول: (يا رب! أصحابي أصحابي، فيقال: يا محمد! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: سحقًا سحقًا، بعدًا بعدًا)، نسأل الله جل وعلا أن يسقينا جميعًا من يد النبي ﷺ شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا.
27 / 4