126

Sharḥ kitāb al-Jāmiʿ li-aḥkām al-ṣiyām wa-aʿmāl Ramaḍān

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان

حكم الجماع في نهار رمضان
الذي يفطر بجماع، هذه الصورة الوحيدة التي يلزمه فيها القضاء والكفارة، سواء جامع أهله أو جامع غيرها، أي: وقع في الزنا أو في اللواط وإن كانا حرامًا في رمضان وفي غيره لكن كلامنا هنا فيما يجب على من فعل ذلك، فيجب عليه أن يتوب إلى الله ﷿، وأن يمسك بقية هذا اليوم، وعليه القضاء والكفارة أيضًا، والدليل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، قال ﷺ: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، -بدأ النبي ﷺ بذكر الرقبة فدل على أن الكفارة على هذا الترتيب الذي ذكره ﷺ فقال للرجل: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال الرجل: لا، - لم يقل له: حاول لعلك تستطيع؛ لأن الشخص أدرى بنفسه إن كان يقدر أو لا يقدر - ثم قال ﷺ: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، فمكث النبي ﷺ أي: سكت وانتظر - فبينما نحن على ذلك، أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذها فتصدق بها، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك).
هنا أمره النبي ﷺ بالكفارة، ولم يذكر زوجة الرجل وما الحكم بالنسبة لها، ولذلك اختلف العلماء هل الكفارة خاصة بالرجل فقط أم أنها تجب على كل من الرجل والمرأة؟ فالبعض يقول: تجب على الاثنين؛ لأن الرجل سأل عن حكم نفسه، فأمره النبي ﷺ بذلك، والمرأة تقاس على الرجل فيها، والبعض يقول: لا؛ لأن النبي ﷺ أمر الرجل بكفارةٍ واحدة، وقد علم أنه جامع أهله، ومع ذلك لم يذكر الكفارة على الزوجة، والراجح في هذه المسألة أن الشخص إذا أكره امرأته على ذلك فوافقته خوفًا منه، فيكون عليه القضاء والكفارة وهي عليها القضاء فقط، وإذا دعته هي إلى ذلك، فتكون هي مطيعة ومريدة للمعصية، فيلزم الاثنين القضاء والكفارة.
فالرجل إن استطاع أن يعتق رقبة فليفعل وعليه مع ذلك أن يقضي يومًا مكان اليوم الذي جامع فيه، وإذا لم يقدر على عتق رقبة ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين، فإذا لم يكن يقدر على ذلك ينتقل إلى إطعام ستين مسكينًا، فإذا لم يقدر في الوقت الحاضر يصبر وينتظر حتى يقدر، وإذا لم يقدر فإنه مع العجز الدائم يسقط عنه ذلك.
والمرأة إذا كانت تقدر على العتق لزمها، وإذا كانت لا تقدر على العتق وتقدر على الصيام لزمها، فلا تعلق لكفارة الرجل بكفارة المرأة، فقد يكون الرجل فقيرًا والمرأة غنية؛ ولذلك جاز إذا كان الزوج فقيرًا والمرأة غنية ولها مال أن تعطي زكاة مالها لزوجها، ولم يجز العكس، فالرجل إذا كان غنيًا لا يجوز أن يعطي زكاة ماله لامرأته؛ لأنه يجب عليه أن ينفق عليها، فالمقصود أن الشخص يكفر عن نفسه، سواء أكان الرجل أم المرأة بما يقدر عليه، على الترتيب الذي ذكر في الحديث.
وإذا كان الشخص متزوجًا أربع نسوة، ووطئ الأربع في نهار رمضان، فالراجح أن عليه كفارة واحدة مع القضاء، وعليه ذنب عظيم لانتهاك حرمة اليوم بذلك، والنساء فيهن التفصيل الذي ذكرناه آنفًا، وهو أن المطاوعة له في ذلك عليها القضاء والكفارة، أما المغلوبة على أمرها فإن عليها أن تقضي فقط.
لكن لو أن المرأة قاومت ولم ترد هذا الشيء فأجبرها بالقوة، فنرجع إلى حكم الإكراه، وهو أنها إذا كانت مكرهة لا تقدر على الفكاك ولا المقاومة، فإنها تبقى على صيامها وليس عليها القضاء إلا أن تخاف منه فتمكنه، أي: إذا ألجأها لذلك فليس عليها شيء، ففرق بين أن تكره إكراهًا ملجئًا وبين أن لا تكون كذلك.

11 / 6