354

وإن قصدت بذلك تعريف ما بينك وبين شيء متقدم عليك أو متأخر عنك من الزمان فلا يخلو من أن تؤرخ بالنظر إلى أول سنة أو شهر أو بالنظر إلى الليالي والأيام. فإن أرخت بالنظر إلى الليالي والأيام فلا بد من ذكر المعدود، إلا أن تحذفه إذا كان معك ما يدل عليه ويكون العدد على حسب التمييز من تذكير أو تأنيث فتقول: فعلت هذا لثلاث ليال خلت، ولثلاثة أيام مضت. فإن أرخت بالنظر إلى شهر أو سنة فلا يخلو من أن تذكر تمييز العدد أو لا تذكر.

فإن ذكرت التمييز كان العدد على حسبه من تذكير أو تأنيث فتقول: فعلت هذا لثلاثة أيام مضت، ولثلاث ليال خلت من الشهر كذا أو من سنة كذا. فإن لم تذكر التمييز وأتيت بالعدد خاصة فإنك تبنيه على الليالي دون الأيام فتقول: فعلت هذا لثلاث خلت أو بقيت، فتحذف منها تاء التأنيث.

واختلف في السبب الموجب لذلك فمنهم من قال: إنما كان ذلك لأن أول الشهر العربي ليلة فلو بقي التأريخ على الأيام دون الليالي لسقطت من الشهر ليلة، فلذلك بني التأريخ على الليالي دون الأيام، وغلب المؤنث على المذكر. وهذا المذهب فاسد، لأنك إذا أرخت بالنظر إلى ما تقدم من الشهر أو من السنة وقد علم أن أول الشهر ليلة لم يسقط بذلك الليلة الأولى ببنائنا التأريخ على الأيام، وكما أنك إذا بنيت التأريخ على الليالي فمعلوم أن مع كل ليلة يوما فكذلك إن بنيت التأريخ على الأيام لكان معلوما أن مع كل يوم ليلة، لأنك لا تريد أن تعرف القدر الذي بينك وبين المؤرخ بالنظر إلى أول الشهر أو السنة من الليالي والأيام وأنما بني التأريخ على أحدهما فالآخر تابع له.

وليس بناؤهم التأريخ على الليالي من قبيل تغليب المؤنث على المذكر، لأن التغليب إنما هو أن يجتمع المذكر والمؤنث فيغلب أحدهما على الآخر وإنما هذا من باب الاستغناء بالمؤنث عن المذكر.

Page 130