وقوله: "ينتظرون العشاء" يعني: العشاء الآخرة، واعلم أن الأعراب يسمون العشاء "العتمة" فنهى النبي ﷺ عن ذلك؛ وقال: "لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء العتمة، فإنها في كتاب الله العشاء". هذا الحديث أو معناه المهم أنه لا ينبغي أن تسمى العتمة بل تسمى العشاء، كما سماها الله ﷿، "حتى تخفق رءوسهم" أي: تنزل من النعاس، "ثم يصلون ولا يوضئون". "وأخرجه أبو داود وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم". في هذا الحديث دليل على فائدة مهمة وهي: أن ما فعله الصحابة في عهد النبي ﷺ هو حجة، سواء علمنا أنه اطلع عليه أم لم نعلم، فإن علمنا أنه اطلع عليه فواضح أنه حجة، وجه وضوحه: إقرار النبي ﷺ على ذلك، وإن لم نعلم أنه اطلع عليه فقد اطلع عليه الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وسكوت الله عنه دليل على أنه رضيه؛ لأنه لو فعل أحد شيئا على وجه الاختفاء والله تعالى لا يرضاه بينه الله، كما قال تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا [النساء: ١٠٨].
فدل هذا على أن ما فعل في عهد الرسول ﵊ أو قيل في عهده هو حجة، سواء علمنا أن النبي ﷺ اطلع عليه أم لم نعلم، وهذه فائدة مهمة من أمثلتها هذا الحديث.
لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن النبي ﷺ ما اطلع عليه؟
نقول: إذا قدرنا فرضا أنه لم يطلع فقد اطلع عليه الله، ومن ذلك أن القول الراجح جواز إمامة المفترض بالمتنفل، يعني أن يكون الإنسان يصلي نفلا ووراءه من يصلي فرضا، والدليل فعل معاذ ﵁ فقد ان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة.
فإذا قال قائل: وهل علمنا أن الرسول ﷺ اطلع على ذلك؟
نقول: على تقدير أنه لم يطلع فقد اطلع عليه الله ﷿ وأقره، مع أنه يبعد أن الرسول ﵊ لم يطلع على ذلك، وقد حصل ما حصل من تخلف الرجل عن الصلاة مع معاذ لتطويله ووعظ النبي ﷺ معاذا، المهم أن هذه القاعدة مفيدة جدا، وقد رأينا كثيرا من العلماء ﵏ عند الجدال في مثل هذه الأمور يقول: ومن الذي أعلمنا أن الرسول ﵊ اطلع فنقول: الحمد لله إذا لم نعلم أن الرسول اطلع فقد اطلع عليه الله؛ ولهذا إذا استخفى أحد بشيء لا يرضاه الله بينه الله ﷿.