Ṣafwat al-Tafāsīr
صفوة التفاسير
Publisher
دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
Publisher Location
القاهرة
Genres
•General Exegesis
Regions
Syria
وانظر إلى حسن ترتيب هذه المعلومات: بدأ أولًا بأمرٍ معقول لا ندركه نحن بالحسّ وهو ﴿مَفَاتِحُ الغيب﴾ ثم ثانيًا بامرٍ ندرك كثيرًا منه بالحسّ وهو ﴿البر والبحر﴾ ثم ثالثًا بجزأين لطيفين أحدهما علوي وهو سقوط الورقة من علوّ والثاني سفلي وهو اختفاء حبةٍ في بطن الأرض فدل ذلك على أنه تعالى عالمٌ بالكليّات والجزئيات ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم باليل﴾ أي ينيمكم بالليل ويعلم ما كسبتم من العمل بالنهار قال القرطبي: وليس ذلك موتًا حقيقةً بل هو قبض الأرواح، قال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم، وفي هذا اعتبار واستدلالٌ على البعث الأخروي ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ليقضى أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ أي ثم يوقظم في النهار لتبلغوا الأجل المسمّى لانقطاع حياتكم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه وغالب النوم بالليل ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي ثم مرجعكم إِليه يوم القيامة ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يخبركم بأعمالكم ويجزيكم عليها إِن خيرًا فخيرٌ، وإِن شرًا فشرٌّ، ثم ذكر تعالى جلال عظمته وكبريائه فقال ﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي هو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ أي ملائكة تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون قال أبو السعود: وفي ذلك حكمة ونعمة جليلة لأن المكلّف إِذا علم أن أعماله تُحفظ عليه وتعرض على رءوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي حتى إِذا انتهى أجل الإِنسان توفته الملائكة الموكلون بقبض الأرواح والمعنى أن حفظ الملائكة للأشخاص ينتهي عند نهاية الأجل فهم مأمورون بحفظ ابن آدم ما دام حيًا فإِذا انتهى أجله فقد انتهى حفظهم له ﴿وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ أي لا يقصّرون في شيءٍ مما أُمروا به من الحفظ والتوفي ﴿ثُمَّ ردوا إلى الله مَوْلاَهُمُ الحق﴾ أي ثم يردُّ العباد بعد البعث إِلى الله خالقهم ومالكهم الذي له الحكم والتصرف والذي لا يقضي إِلا بالعدل ﴿أَلاَ لَهُ الحكم وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين﴾ أي نه جل وعلا الحكم وحده يوم القيامة وله الفصل والقضاء لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن، يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا كما ورد به الحديث وروي أنه يحاسب الناس في مقدار حلب شاة ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ البر والبحر﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من ينقذكم ويخلصكم في أسفاركم من شدائد وأهوال البر والبحر؟ ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي تدعون ربكم عند معاينة هذه الأهوال مخلصين له الدعاء مظهرين الضراعة، تضرعًا بألسنتكم وخفية في أنفسكم قال ابن عباس المعنى: تدعون ربكم علانيةً وسرا قائلين ﴿لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ أي لئن خلّصتنا من هذه الظلمات والشدائد لنكوننَّ من المؤمنين الشاكرين والغرض: إذا خفتم الهلاك دعوتموه فإِذا نجّاكم كفرتموه قال القرطبي: وبّخهم الله في دعائهم إِيّاه عند الشدائد وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره ﴿قُلِ الله
1 / 367