Ṣafwat al-Tafāsīr
صفوة التفاسير
Publisher
دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
Publisher Location
القاهرة
Genres
•General Exegesis
Regions
Syria
حفر له فدفنه، وكان ابن آدم هذا أول من قُتِل، وروي أنه لما قتله تركه بالعراء ولم يدر كيف يدفنه حتى رأى الغراب يدفن صاحبه فلما رآه ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ أي قال قابيل متحسرًا يا ويلي ويا هلاكي أضعفتُ أن أكون مثل هذا الطير فأستر جسد أخي في التراب كما فعل هذا الغراب؟ ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ أي صار نادمًا على عدم الاهتداء إِلى دفن أخيه لا على قتله قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبةً له ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض﴾ أي من أجل حادثة «قابيل وهابيل» وبسبب قتله لأخيه ظلمًا فرضنا وحكمنا على بني إِسرائيل أن من قتل منهم نفسًا ظلمًا بغير أن يقتل نفسًا فيستحق القصاص وبغير فسادٍ يوجب إِهدار الدم كالردّة وقطع الطريق ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعًا﴾ أي فكأنه قتل جميع الناس قال البيضاوي: من حيث أنه هتك حرمة الدماء وسنَّ القتل وجرأ الناس عليه، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإِحيائها في القلوب ترهيبًا عن التعرض لها وترغيبًا في المحاماة عليها ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي ومن تسبَّب لبقاء حياتها واستنقذها من الهَلَكة فكأنه أحيا جميع الناس قال ابن عباس في تفسير الآية: من قتل نفسًا واحدةً حرّمها الله فهو مثلُ من قتل الناس جميعًا ومن امتنع عن قتل نفسٍ حرمها الله وصان حرمتها خوفًا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعًا ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات﴾ أي بعدما كتبنا على بني إِسرائيل هذا التشديد العظيم وجاءتهم رسلنا بالمعجزات الساطعات والآيات الواضحات ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ﴾ أي ثم إنهم بعد تلك الزواجر كلها يسرفون في القتل ولا يبالون بعظمته قال ابن كثير: هذا تقريعٌ لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها وقال الرازي: إِن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول ﷺ َ لأنهم عزموا على الفتك به وبأصحابه كان تخصيص بني إِسرائيل بهذه المبالغة العظيمة مناسبًا للكلام ومؤكدًا للمقصود، ثم ذكر تعالى عقوبة قُطّاع الطريق فقال ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي يحاربون شريعة الله ودينه وأولياءه ويحاربون رسوله ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَادًا﴾ أي يفسدون في الأرض بالمعاصي وسفك الدماء ﴿أَن يقتلوا﴾ أي يُقتلوا جزاء بغيهم ﴿أَوْ يصلبوا﴾ أي يُقتلوا ويُصلبوا زجرًا لغيرهم، والصيغةُ للتكثير ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾ معناه أن تُقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ أي يُطردوا ويُبعدوا من بلدٍ إِلى بلد آخر ﴿ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا﴾ أي ذلك الجزاء المذكور ذلٌ لهم وفضيحة في الدنيا ﴿وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو عذاب النار، قال بعض العلماء: الإِمام بالخياران إِن شاء قتل، وإِن شاء صلب، وإِن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإِن شاء نفى وهو مذهب مالك وقال ابن عباس: لكلّ
1 / 313