235

Al-Rawḍ al-Zāhir fī sīrat al-malik al-Ẓāhir

الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر

هؤلاء كلهم وردوا إلى السلطان وهو مباشر عمارة قلعة صفد بنفسه، إما راكبا، وإما راجلا، وإما عاملا بيده، وإما بنقل الحجارة، فتنجز حفر الخندق، وأمر بعمل المجائر، وقسم على الأمراء وغيرهم، ونقلت الأخشاب للوقود؛ وما وفر نفسه من شيء من ذلك. ونقل السلطان الأحطاب على فرسه، ونقل الناس على خيولهم. ولما تجهزت المجائر شرع في العمارة وقسمت على الأمراء والبحرية والحلقة، وأخذ السلطان لنفسه نصيب وافرة. هذا والناس صيام. وباشر عمارة أبراج الأمير سيف الدين الزيني، وعملت أبواب سر إلى الخندق. وجاءت من أحسن ما يكون، ورسم أن يكتب على أسوارها : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. وأولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. أمر بتجديد هذه القلعة وتحصينها وتكملة عمارتها، وتحسينها، [ من خلصها ]من أسر الفرنج الملاعين، وردها إلى يد المسلمين ، ونقلها من اخوة • الديوية إلى إخوة المؤمنين، ( وأعادها إلى الإيمان كما بدأ بها أول مرة وجعلها للكفار خسارة وحسرة )، واجتهد وجاهد حتى بدل الإيمان بالكفر ]، والناقوس بالأذان، والإنجيل بالقرآن، ووقف بنفسه حتى حمل تراب خنادقها وحجارتها منه ومن خواصه على الرؤوس، السلطان الملك الظاهر أبو الفتح بيبر س، فمن صارت إليه هذه القلعة من ملوك الإسلام، ومن سكنها من المجاهدين فليجعل له نصيبا من أجره، ولا يخله من الترحم في سره وجهرها، فقد صار يقال : « عمر الله سرحها » بعد أن كان يقال : « عجل الله فتحها، والعاقبة للمتقين إلى يوم الدين ).

وفي هذه الأيام طلع السلطان إلى القلعة ليصلي في البرج الذي كان يجلس فيه فرأى به صنمة كبيرة كان الفرنج يقولون أن القلعة في خفارته، ويسمونه أبا جرج، فأمر بقلعه وتكسيره، وطهر ذلك المكان منه، وعمل مكانه محرابة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - : « أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة ». ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - مكة شرفها الله كسر الأصنام، وقال : لو جاء الحق وزهق الباطل" که . فأجرى هذه الحسنة على يد السلطان.

في شهر صفر من هذه السنة رسم بتجديد عمارة الخليل - صلوات الله عليه ! - وكتب بذلك إلى دمشق، وتوجه الأمير جمال الدين بن نهار، فجددت به الأخشاب والمقاصير والأبواب، ودهن ما يحتاج منها إلى الدهان، وعملت المقاصير ليجعل الله له عوضها مقاصير الجنان، وجددت الضرائح المقدسة، وتلك الأبنية التي هي على التقوى مؤسسة.

Page 287