Rasāʾil al-Sunna waʾl-Shīʿa
رسائل السنة والشيعة
Publisher
دار المنار
Edition
الثانية
Publication Year
١٣٦٦ هـ - ١٩٤٧ م
Publisher Location
القاهرة
والحديث أو اللغة قلما يساوي في فهمها والتفقه فيها من يعنى بفهمها دون حفظها، وقد علم بالتجربة أن قوة الاستعداد للحفظ قلما تتفق مع قوة الاستعداد للفهم والحكم في المعاني، فأكثر حفاظ الحديث غير فقهاء فيه، وأكثر الفقهاء غير حفاظ له، وكذا علماء المعقول فقلما تجد في كبارهم حافظًا للحديث والآثار أو من يسمى محدثًا، وقد كان أبو حنيفة يعد أفقه أئمة المذاهب المشهورة وهو أقلهم حفظًا، وكان أحمد بن حنبل أحفظهم، وقد قال فيه الإمام ابن جرير: إنه محدِّث لا فقيه. (١)
بل يُروى أن الشافعي قال لأحمد على ما اشتهر من إجلاله له: «إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا به، فأنتم أعلم بروايته ونحن أعلم بفقهه»، أو ما هذا معناه. (٢)
٥ - إن فائدة حفظ النصوص تبليغها للناس، وإننا نرى المروي عن عمر من الحديث في البخاري (٣)، وفي مسند أحمد أكثر من المروي عن علي (٤)، وهو لم يرو إلا عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وأبي بن كعب، وعلي قد روى عنه وعن أبي بكر والمقداد بن
(١) ذكر بعض من تكلم في هذه العبارة - على فرض ثبوتها - عن ابن جرير أنه لا يريد نفي كون الإمام أحمد فقيهًا وإنما يريد نفي كونه فقهيًا متبوعًا، فابن جرير ولد سنة (٢٢٤ هـ) في حياة الإمام أحمد المتوفى سنة (٢٤١ هـ) ثم توفي ابن جرير سنة (٣١٠ هـ) ومذهب الإمام أحمد لم يتكون إقراء فروعه في هذه الفترة، فكان في طور رواية تلامذته له، وجمع الخلال له، المتوفى سنة (٣١١ هـ) أي بعد ابن جرير بعام واحد، وأول مختصر في فقهه كان من تأليفه الخرقي المتوفى سنة (٣٣٤ هـ) فصار بدءُ إقرائه في الكتاتيب كما في تلقن القاضي أبي يعلى له، وعلى يد أبي يعلى المتوفى سنة ٤٥٨ هـ) الذي تولى القضاء وشيخه الحسن بن حامد المتفى سنة (٤٠٣ هـ) بدأ ظهور المذهب، وتكونه، وتكاثر أتباعه، والاشتغال في تهذيبه، وتدوين المتون والأصول، وكل هذا بعد وفاة ابن جرير بزمن كما هو ظاهر. انظر: المدخل المفصل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل للعلامة بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ ١/٣٦١-٣٦٨.
(٢) لم أقف على ما معناه أن الشافعي قال عن نفسه: «ونحن أعلم بفقهه» وإنما المشهور عنه الجزء الأول من العبارة التي نقلها المؤلف وهي: «إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا به» انظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي (٢ / ٤٥٤ رقم: ٣٤٣٦)، سير أعلام النبلاء (١١ / ٢١٣)، تاريخ دمشق (٥١ / ٣٨٥) .
(٣) هذا الإطلاق فيه نظر؛ فإن روايات علي بن أبي طالب ﵁ في البخاري مع المكرر ٩٨ حديثًا، وغير المكرر ٣٤ حديثًا تقريبًا.
(٤) هذا الإطلاق فيه نظر أيضًا؛ فإن مجموع المروي عن علي ﵁ في مسند الإمام أحمد - حسب إحصاء شخصي قمت به - يبلغ ٨١٨ حديثًا تقريبًا بالمكرر والضعيف، وتبدأ من (١ / ٧٥ إلى ١ / ١٦٠ ط: الميمنية)، وأما مجموع أحاديث عمر ﵁ بالمكرر والضعيف أيضًا - فإنها تبلغ ٣١٧ حديثًا تقريبًا وتبدأ من (١ / ١٤ وإلى ١ / ٥٦ ط: الميمنية)
2 / 183