Qurrat ʿAyn al-Muḥtāj fī Sharḥ Muqaddimat Ṣaḥīḥ Muslim b. al-Ḥajjāj
قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج
Publisher
دار ابن الجوزي
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٤ هـ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم أن أرجح الأقوال في معنى الصلاة على النبيّ ﷺ ثناء الله تعالى عليه عند ملائكته الكرام، وهو يستلزم معنى الرحمة أيضًا، فإن الله تعالى لا يثني على عبده في الملأ الأعلى إلا إذا أحبّه، ومن أحبّه رحمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في معنى "محمّد" اسم النبيّ ﷺ، واشتقاقه:
لقد أجاد ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى في هذا الموضوع في كتابه "جلاء الأفهام" أيضًا، فأجمل، وأفاد، قال: ما مُلخّصه:
هذا الاسم هو أشرف أسمائه ﷺ، وهو علَمٌ منقولٌ من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمّن الثناء على المحمود، ومحبّته، وإجلاله، وتعظيمه، هذا هو حقيقة الحمد، وبُني على زنة مُفَعَّلٍ، مثل مُعَظَّم، ومُحَبَّبٍ، ومُسَوَّدٍ، ومُبَجَّلٍ، ونظائرها؛ لأن هذا البناء موضوعٌ للتكثير، فإن اشتُقّ منه اسم فاعل، فمعناه من كثُرَ صدور الفعل منه مرّة بعد مرّة، كمعلِّم، ومُفهِّمِ، ومُبيِّنٍ، ونحوها، وإن اشتُقّ منه اسم مفعول، فمعناه مَن كثُر وقوع الفعل عليه مرّةَ بعد أُخرى، إما استحقاقًا، أو وقوعًا، فمحمّد هو الذي كثُر حمد الحامدين له مرّةً بعد أُخرى، أو الذي يستحقّ أن يُحمد مرّة به أخرى. ويقال. حُمِّدَ فهو مُحمَّد، كما يقال. عُلِّم فهو معلَّمٌ.
وهو علَمٌ، وصفةٌ اجتمع فيه الأمران في حقّه ﷺ، وإن كان علمًا مختصًّا في حقّ كثير ممن تسمّى به غيره. وهذا شأن أسماء الله تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيّه، هي أعلام دالّةٌ على معانٍ هي بها أوصافٌ، فلا تُضادّ فيها العلميّة الوصف، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله، الخالق، البارىء، المصوّر، القهّار، فهذه أسماء له، دالّة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن، والفرقان، والكتاب المبين، وغير ذلك من أسمائه.
وكذلك أسماء النبيّ ﷺ: محمد، وأحمد، والماحي. وفي حديث جُبير بن مُطعَم، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنّ لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر". فذكر رسول الله ﷺ هذه الأسماء مبيّنًا ما خصّه الله به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلا فلو كانت أعلامًا محضةً لا معنى لها، لم تدلّ على مدحٍ، ولهذا قال حسّان ([من الطويل]:
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
وكذلك أسماء الربّ تعالى كلّها مدحٌ، فلو كانت ألفاظًا مجرّدةً، لا معانيَ لها لم تدلّ على المدح، وقد وصفها الله ﷺ بأنها حُسْنَى كلّها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
1 / 227