Qurrat ʿAyn al-Muḥtāj fī Sharḥ Muqaddimat Ṣaḥīḥ Muslim b. al-Ḥajjāj
قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج
Publisher
دار ابن الجوزي
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٤ هـ
ابن كثير (١).
وقد رجّح ابن القيّم تفسير من فسّر صلاة الله تعالى بالثناء عند الملائكة، وردّ على من فسّرها بالرحمة، وبالغ في ذلك في كتابه "جلاء الأفهام". ونقلته في "شرح النسائيّ" فراجعه فإنه مفيدٌ جدًّا.
وقال الحافظ في "الفتح" بعدما ذكر الاختلاف: ما حاصله: وأولى الأقوال ما تقدّم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيّه ﷺ ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة، وغيرهم عليه، طلب ذلك من الله تعالى، والمراد طلب أصل الصلاة.
ونقل القاضي عياض عن بكر القُشيريّ، قال: الصلاة على النبيّ ﷺ من الله تشريفٌ، وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبيّ رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبيّ ﷺ، وبين سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وقال قبل ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبيّ ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أنّ في هذه الآية من تعظيم النبيّ ﷺ، والتنويه به ما ليس في غيرها.
وقال الْحَلِيميّ في "الشُّعَب": معنى الصلاة على النبيّ ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهمّ صلّ على محمد: عظّم محمدًا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله: "صلّوا": ادعوا ربّكم بالصلاة عليه انتهى.
ولا يعكُر عليه عطف آله، وأزواجه، وذرّيته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدعى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به. وما تقدّم عن أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيّده أنه لا خلاف في جواز الترحّم على غير الأنبياء، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صلّ على محمد، اللهمّ ارحم محمدًا، أو ترحّم على محمد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة، وكذا الرحمة لسقط الوجوب في التشهّد عند من يوجبه بقول المصلّي في التشهّد: "السلام عليك أيها النبيّ ﷺ، ورحمة الله، وبركاته". ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبّد، فلا بدّ من الإتيان به، ولو سبق الإتيان بما يدلّ عليه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٢).
(١) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٥٠٣.
(٢) فتح ج ١٢ ص ٤٤٥.
1 / 226