332

Uṣūl al-daʿwa wa-ṭuruquhā 4 - Jāmiʿat al-Madīna

أصول الدعوة وطرقها ٤ - جامعة المدينة

Publisher

جامعة المدينة العالمية

الليل، اجتمع هؤلاء النفر من المشركين على باب النبي ﵌ يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﵌ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب ﵁ نم على فراشي، وتسجى ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله ﵌ ينام في برده ذلك إذ ينام، ثم خرج رسول الله ﵌ وهو يتلو هذه الآيات: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ...﴾ (يس: ١، ٢) إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (يس: ٩) ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدًا. قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يدًا على رأسه؛ فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليًّا على الفراش متسجيًا ببرد رسول الله ﵌ فيقولون: والله، إن هذا لمحمد نائمًا على برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش. فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا، حمى المغوار حيدرة -وهو اسم من أسماء علي بن أبي طالب ﵁ حمى بفضل الله ﷿ الدعوة في شخص نبيها ﵌ ونام على فراشه، وفي فراشه، في أصعب ليلة مرت بها الدعوة.
وتأملوا هذا الموقف، رجل ينام في فراش الموت وهو يعلم أن على الباب رجالًا لا يريدون إلا رأس النائم على الفراش، ومع ذلك يضحي بنفسه في سبيل الله ﵎ وينام في فراش النبي ﵌ فداء للحبيب المصطفى المختار -صلوات الله وسلامه عليه- وقد نجاه الله ﷿ كما نجى النبي ﵌.

1 / 351