Uṣūl al-daʿwa wa-ṭuruquhā 4 - Jāmiʿat al-Madīna
أصول الدعوة وطرقها ٤ - جامعة المدينة
Publisher
جامعة المدينة العالمية
•
Regions
Malaysia
يهاجر خلف النبي ﵌ وقف أمام المشركين موقفًا أذل فيه أنوفهم، وأظهر عجزهم، وألقى الرعب في قلوبهم. وتأملوا ما قاله الإمام الحبر عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا إلا عمر بن الخطاب ﵁ فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنزته -العنزة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا، واختصرها: يعني أمسكها بيده رضي الله تعالى عنه- ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف ﵁ سبعًا متمكنًا ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس -يعني: الأنوف- من أراد أن تثكله أمه ويرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي ﵁ فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه -رضي الله تعالى عنه.
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص -جمع قميص- فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علَيّ عمر وعليه قميص اجتره -قميص اجتره: يعني أنه أنزل من غيره- قالوا: فما أولته يا رسول الله ﵌ قال: الدين».
وقد استشكل هذا الحديث بعض الناس، وذهبوا إلى أن بذلك عمر ﵁ أفضل من أبي بكر الصديق، والجواب عن ذلك بأن أبا بكر ﵁ هو أفضل هذه الأمة، ولذلك أجيب عن هذا الحديث بأن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- يخصص من قول النبي ﵊: «عرض علي الناس» فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- وأن كون عمر عليه قميص يجره، لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- قميص أطول منه وأسبغ، وقد ذكر ذلك الإمام الحافظ بن حجر ﵀ ﵎ ولقد كان عمر ﵁ حريصًا كل الحرص على طلب العلم، بل كان من أصحاب الهمم العالية فيه.
1 / 341