النساء والأطفال الذي عبوا من هدي الإسلام، واستنارت قلوبهم وعقولهم بنوره اللألاء، ونجد ذلك فيما يرويه الإمام مسلم عن أنس ﵁،
قال:
«أتى على رسول الله ﷺ، وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي. فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر. قالت: لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدا. قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت» (١).
لقد رأت أم أنس ابنها حريصا على حفظ سر رسول الله ﷺ، فعززت فيه هذا الحرص، إذ طلبت منه ألا يخبر بسر رسول الله ﷺ أحدا، فلم يحدث به أحدا حتى التابعين ثابتا البناني الذي روى عنه الحديث، ولم يدفعها حب الاطلاع إلى استدراج ابنها الصغير، لتعرف ذلك السر الذي طواه عنها، وهذه هي تربية الإسلام، وهذا هو المستوى الرفيع الذي رفعت إليه الإنسان، رجلا كان أو امرأة أو طفلا.
إن إفشاء الأسرار لمن أسوأ العادات التي يبتلى بها الإنسان؛ ذلك أن ليس كل ما يعلم يقال في هذه الحياة، فهناك أمور تقضي الرجولة والمروءة والشرف والغيرة أن تبقى في طي الكتمان، وبخاصة إذا كانت هذه الأمور من متعلقات الحياة الزوجية. ولا ينشر مثل هذه الأمور على أسماع الناس إلا رجل في عقله لوثة من الجنون، أو في شخصيته ميوعة ودياثة وتفاهة. ومن هنا كان هذا الضرب من الرجال الثرثارين في زمرة الأشرار، بل من شر الناس عند الله، كما بين رسول الله ﷺ في قوله:
(١) رواه مسلم، وروى البخاري بعضه مخصرا. وثابت: هو التابعي الذي روى الحديث عن أنس.