ثم ذكر هنا أن الأمر مجزوم وهذا على مذهب الكوفيين أن القسمة ثنائية، لأن القسمة ثلاثية على مذهب البصريين، وثنائية على مذهب الكوفيين، البصريون على أنها ثلاثة: ماضٍ، وفعل أمر، ومضارع. ومرادهم بهذه الأقسام الثلاثة أن الماضي قسم مستقل برأسه، وفعل الأمر قسم مستقل برأسه ليس مقتطعًا من شيء آخر بل وضع ابتداءًا، والفعل المضارع قسم مستقل برأسه، والكوفيون لا ينكرون وجود فعل الأمر، بل عندهم الأفعال ثلاثة، لكن باعتبار الواقع هي ثلاثة، لأنه موجود في لغة العرب كم وكم من الأفعال الماضية أو المضارع أو الأمر في القرآن والسنة، إذًا يثبتون فعل الأمر لكن يقولون: الأمر ليس فعلا مستقلًا بذاته، لم تضع العرب القسمة ثلاثية ابتداءًا بل وضعت القسمة ثنائية: الماضي، والمضارع، وفعل الأمر مقتطع ومشتق ومأخوذ من الفعل المضارع المجزوم الذي دخلت عليه لام الأمر، فهو عندهم معربٌ بلام الأمر مقدرة، فأصل افعل لتفعل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ولَمَّا كان أمر المخاطب أكثر على ألسنتهم استثقلوا مجيء اللام فيه فحذفت اللام طلبًا للتخفيف مع كثرة الاستعمال وبقي عملها -وهذا محل إشكال عندهم وهو دليلُ ردِّ هذا القول- فاشتبه فعل الأمر بالفعل المضارع، فأسقط حرف المضارعة، فحينئذ صار الحرف الذي بعد حرف المضارعة ساكنًا، فاجتلب همزة الوصل للتمكن من الابتداء بالساكن، فالتقى ساكنان الهمزة وما بعده، فكسرت الهمزة على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، فقيل: افعل، إذًا افعل ليس مستقلًا وإنما مقتطع من لتفعل، والأصل لتفعل، مأخوذ من ليفعل